رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 24 أكتوبر 2020 الموافق 07 ربيع الأول 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
صفاء النجار
صفاء النجار

فى بيوت الله «1»

الجمعة 10/يوليه/2020 - 08:52 م
طباعة

لا أعرف تحديدًا متى ارتبطت ببيوت الله، لا أستطيع تحديد أول مسجد صليت به، فى البدء لم أسع للمسجد، كنت أجده فى طريقى، فى أوقات مأزومة ولحظات يمتزج فيها الحزن بالألم، ظلت هذه المرات تتكرر حتى صرت أسعى له، وأصبحت النفس تمتلئ بحكايات المسجد فيها واحة وراحة.
المسجد الأقرب لروحى هو مسجد صلاح الدين بالمنيل، خطوات قليلة تمتد منه لبيتى، حتى لكأنه فى بياضه ومأذنته الخضراء امتداد لسكنى، ففيه روح ورواح، وفيه أمن وإجابة، يشبه فى هيئته وبراحه مسجد الحبيب فى المدينة المنورة، حتى إننى أوصيت زوجى بأن أخرج منه بعد وفاتى.
مصلى النساء فيه قطعة من الجنة، تطل شبابيكه المصنوعة من الجبس الأبيض فى زخرفة إسلامية تتداخل فيها النجمات الخماسية مع الأهلة تحيطهما مربعات ومستطيلات وأضلع ثمانية، وتنعكس عليه ظلال أشجار دائمة الخضرة، ومع الربيع والصيف تزدان بألوان الأحمر والأبيض والأصفر، تتمايل ألوان البهجة والفرح من خلف هذه الشبابيك مع نسمات الهواء البارد من نهر النيل الذى يفصله عن المسجد طريق صغير.
تتوسط المصلى فسقية متعددة الدرجات، من الرخام الأبيض والرمادى، حدث يومًا أن كنت أصلى العشاء جماعة ومعى مريم، التى أخذت تلعب وتدور حول الفسقية، ووقع ما كنت أحذرها منه، فتعثرت، وسقطت متدحرجة على الرخام، الحاد الأطراف، أغمضت عينى، لم أسمع لمريم سوى صرخة خافتة، فيها من المفاجأة ما يغلب الألم.
أكملت صلاتى وقلبى يهتف يا رب، للحظة تصورتها ستكون مدرجة فى دمائها، وأن هذه السقطة ستترك علامة فى جبهتها، أكملت صلاتى وكنت معه بقلب الخائف الوجل، وكان معى لطيفًا خبيرًا فأعاننى وأتممت صلاتى وبعد أن سلمت، نهضت بطيئة، مضطربة الحركة، ناديت مريم فجاءتنى مسرعة احتضنتها، ونظرت فى وجهها، لم يكن هناك سوى ابتسامتها الحلوة، تفحصت جبهتها، ذقنها، خديها، ركبتيها، كفيها.. لا جرح، لا كدمة، لا أثر،.. ولولا أنها قالت لى: ماما أنا وقعت هنا، لظننت أن ما رأيته كان وهمًا، احتضنتها بعمق وأنا أضحك له وأردد «من كنت معه لا يخاف ولايحزن».
هو مسجدى الذى فتح الله علىّ بالصلاة فيه، ورأى عملى برسالتى الماجستير والدكتوراه، وشهد خطوات ابنتى حتى أصبحت رفيقتى فى صلاة التراويح، سندت ظهرى لأعمدته حزينة وحائرة ومضطربة، فلم أخرج منه إلا مقضية الحاجة، مستجابة الدعاء، مجبورة الخاطر، وزاد علىّ من المنن والعطايا ما يجعلنى أستحيى من ربى إن سألنى: هل عرفت؟، فأقول: أى ربى عرفت، فيسألنى: وماذا فعلت؟، فأتعثر فى الإجابة..
ورغم حبى وتقديرى العظيم للسيدة نفيسة، فإننى لم أُصل فى مسجدها سوى مرة واحدة، أخشى الاقتراب والضياع فى الزحام الشديد حوله، تحاصرنى نداءات الباعة المتجولين ودعوات المتسولين وتجذبنى الزهور الزاهية اللون التى تلوح بها النسوة المتشحات بالسواد، يخيل لى أن هذه الزهور بهذا الزهو فى اللون والضخامة فى الحجم وكأنها الزهور آكلة اللحم، ولدىّ وهم موجع أن منبت هذه الزهور هو المقابر الموجودة خلف المسجد.. وأنها تتغذى من بقايا الموتى التى تتسرب للتربة..
بعيدًا عن هذا الرعب، فإن محبة «النفيسة» تجعلنى أتردد على مستشفى المغربى للبصريات، وأفضل هذا الفرع على غيره من الفروع، أقف فى الساحة الأمامية للمستشفى الذى يطل على المسجد، أقرأ لها الفاتحة وأسألها السماح لعدم قدرتى على الاقتراب من حضرتها الشريفة.
وقد حدث لى موقف غريب فى بداية هذا العام، فأثناء معرض القاهرة الدولى للكتاب اصطحبت صديقتى الكاتبة العراقية: رجاء الربيعى فى جولة فى خان الخليلى والحسين ثم عدنا إلى جاردن سيتى حيث مررنا على مدرسة «الميردى ديو»، وأخذنا مريم معنا بعد انتهاء يومها الدراسى، لتكمل اليوم معنا، وطلبت من «وليد» سائق سيارة أن نذهب لمسجد السيدة زينب، وفى انشغال السلامات والقبلات بين رجاء ومريم وعرض ما اشتريناه، صعد «وليد» كوبرى السيدة المواجه لمستشفى أبوالريش، فظننت أنه سيدخل بنا من شارع زين العابدين أو الشوارع الضيقة المحيطة بالمسجد، فلما تجاوز هذه الشوارع واقترب من محكمة زينهم، سألته: وليد، إنت رايح فين؟ فانتبه أنه أخذ طريق السيدة نفيسة وليس طريق السيدة زينب، اعتذر، لكن لم يكن هناك أى ملف للعودة وكنا قد وصلنا لمدخل الشارع المؤدى لمسجد السيدة نفيسة، فقلت له: خلاص نروح السيدة نفيسة على بركة الله.
كانت نيتى أن نقرأ الفاتحة للسيدة النفيسة ونحن فى السيارة ونلف من شارع الإمام الشافعى ونعود إلى سور مجرى العيون ثم شارع قصر العينى ومنه مباشرة للمبتديان فالسيدة زينب.. لكن كانت خطة أخرى.. فمن بداية الشارع لاحظت انتشار مظاهر لم أعتد رؤيتها، باعة بعربات خشبية محملة بأكياس ورقية معبأة بالفول السودانى والحمص، مراجيح وألعاب للأطفال، خيم صغيرة ورجال من الصعيد والأرياف جالسين، وسيدات أمامهن أوعية ضخمة تشتعل تحتها مواقد حامية، بمجرد أن انعطف الطريق وأصبح المسجد فى مواجهتنا حتى عرفت الحقيقة التى نجهلها، فهذه مظاهر الاحتفال بمولد السيدة نفيسة، والليلة هى الليلة الختامية.. وقد جئنا دون قصد، ووجدنا أن متاريس الشرطة تغلق الساحة الأمامية للمسجد وليس للسيارات سوى مسار واحد، حارة جانبية، لا أعرف إلى أين ستصل بنا، التخمين أننا سنصبح قريبين من منطقة السيدة عائشة وقسم الخليفة، لكن اليقين أننا سنسير فى اتجاه الشمال وليس الجنوب كما اعتقدت. الزحام شديد إلى أقصى مدى، وحركة السيارات بطيئة أو معدومة، خرجنا من السيارة... وللحديث بقية.