رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

عملية رفح.. لماذا تريد إسرائيل أشهرًا جديدة من الحرب؟

رفح
رفح

بعد تهديدات وتأجيلات استمرت لعدة أشهر، يبدو أن مسألة اجتياح مدينة رفح الفلسطينية فى جنوب قطاع غزة أصبحت أقرب من أى وقت مضى، وهو ما يظهر فى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، والاستعدادات التى تجرى على الأرض لإخلاء المدينة الحدودية من المدنيين، وتجهيز قوات جيش الاحتلال استعدادًا لتنفيذ العملية.

ومن المتوقع أن تتسبب العملية البرية الإسرائيلية فى رفح فى مد أمد الحرب لأشهر عديدة مقبلة، خاصة أنها ستأتى بعد تقويض الوساطات الدولية، وإجهاض صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين، ما يسمح لدولة الاحتلال بتأجيل البحث عن حل لمسألة «اليوم التالى» فى غزة، وفرض تسوية عسكرية على فصائل المقاومة الفلسطينية، على رأسها حركة «حماس»، دون الاضطرار لتقديم أى تنازلات، وهو ما نستعرضه فى السطور التالية.

استكمال القضاء على «حماس».. والتأييد الدولى عقب «الهجمة الإيرانية» كلمة السر

قصة اجتياح مدينة رفح الفلسطينية ذُكرت أكثر من مرة على مدار أشهر الحرب، وتحديدًا منذ انتهت إسرائيل من عملياتها العسكرية فى شمال ووسط قطاع غزة، لكن الاستعداد الجدى لاجتياح المدينة بدأ عمليًا وقت خروج الفرقة الأخيرة من الجيش الإسرائيلى من القطاع، فى خطوة اعتبرها البعض فى حينه بداية نهاية الحرب.

وقتها، تم تفسير خروج قوات جيش الاحتلال بعدة تفسيرات مختلفة، فمن ناحيته رأى «حزب الله»، اللبنانى، أن إبقاء إسرائيل على قوات رمزية فقط فى غزة يهدف إلى نشْر الجيش الإسرائيلى قوات كبيرة فى الشمال، استعدادًا لهجوم واسع النطاق على جنوب لبنان، من أجل إعادة سكان شمال إسرائيل إلى مستوطناتهم.

فيما فسرت طهران الخطوة الإسرائيلية بأنها تهدف إلى تركيز الجهد الأساسى فى الحرب ضد إيران فى حال حدوث عملية إيرانية مؤلمة ضد إسرائيل، وكان هذا قبل الهجوم الإيرانى بالمُسيّرات والصواريخ.

أمّا حركة «حماس» الفلسطينية ففسرت خروج الجزء الأكبر من قوات الجيش الإسرائيلى من القطاع بأنه يعود إلى الموقف الصامد لزعماء الحركة، ورفضهم الموافقة على صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين بالشروط التى تريدها إسرائيل، كما فسرت الأمر بأنه دليل على فشل إسرائيل فى تحقيق أهداف الحرب.

الغموض حول أسباب خروج القوات الإسرائيلية من القطاع لم يستغرق وقتا طويلًا، إذ بدأ المسئولون فى إسرائيل الحديث بشكل واضح عن ذلك، وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلى، يوآف جالانت، صراحة عن أن الخروج من غزة هو للتحضير لاقتحام رفح.

بعدها أصبح تفسير الخطوة الإسرائيلية أكثر وضوحًا، فإسرائيل أخرجت قواتها من غزة لعدة أغراض، منها منح القوات فترة للراحة، والاستعداد من جديد لشن عملية واسعة النطاق فى مدينة رفح، التى- حسب الإسرائيليين- يوجد بها ما بين ٤ و٦ كتائب تابعة لحركة «حماس»، «٤ فى رفح و٢ فى مخيمات اللجوء»، الأمر الذى يمكن أن يشكّل نواة تضمن ترميم قدرات الحركة فى المستقبل.

وحول توقيت اجتياح المدينة، فقد ظهر الخلاف بين المستويين السياسى والعسكرى فى إسرائيل حول العملية، رغم اتفاقهما على أنها ضرورية، لكن كل مستوى منهما ظل يتهم الآخر بالتسبب فى تأخيرها.

وصحيح أن جيش الاحتلال عرض على المستوى السياسى خطته لإخلاء مئات الآلاف من أهالى غزة، لكن «نتنياهو» اعتقد بأن الخطة غير كافية، كما كان هناك اعتبار آخر هو التخوف من أن تُتهم إسرائيل بتقويض الاتصالات لصفقة الأسرى والمحتجزين، كما أن معارضة واشنطن الواضحة للعملية كانت أيضًا وراء تأجيلها.

ولكن، بعد الهجوم الإيرانى على إسرائيل، استطاع «نتنياهو»- كما يبدو- انتزاع تأييد من الإدارة الأمريكية بتنفيذ عملية إسرائيلية فى رفح، بشرط أن تكون مركزة ومحدودة، وأن تمتنع إسرائيل عن احتلال المدينة كلها، وأن تتم العملية بعد إخلاء رفح من أكثر من مليون مواطن فلسطينى.

من ناحية أخرى، فإن تهديد «نتنياهو» المتكرر بالقيام بعملية فى رفح كان يخدم هدفين، أولهما يتعلق بالضغوط على المفاوضين الباحثين عن إتمام صفقة الإفراج عن الأسرى والمحتجزين، مع خلق تخوف لدى الأمريكيين والفلسطينيين من اقتحام المدينة، ما يمنحه هامشًا من المرونة يسمح بالتوصل إلى صفقة مريحة لإسرائيل.

والهدف الثانى لدى «نتنياهو» كان كسب الوقت، لأن الانشغال الكبير بمسألة الاقتحام المحتمل لرفح يُبعد نهاية الحرب، ويطرح جانبًا النقاش العام والسياسى للتحقيق فى التقصيرات التى سمحت بهجوم ٧ أكتوبر.

تأجيل مشكلة «اليوم التالى» وفرض تسوية عسكرية على الفلسطينيين دون تقديم تنازلات

على مدار الأيام الماضية بدأ الجيش الإسرائيلى إخلاء مدينة رفح ومحيطها من أكثر من ١.٥ مليون فلسطينى، من الذين وجدوا فيها ملجأ من الحرب، لكن حتى هذه اللحظة ليس واضحًا متى ستبدأ العملية البرية على المدينة.

وفيما يبدو فإن إسرائيل اختارت أن تنتظر حتى ينتهى شهر رمضان والأعياد الإسلامية واليهودية، كما يمكن التقدير بأن الأمر أيضًا يتعلق بنتائج المفاوضات مع «حماس» حول صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين، إذ إن عملية رفح تعد إحدى الأوراق التى تملكها إسرائيل للضغط على «حماس» للقبول بشروطها فى الصفقة.

وإذا نجح إخلاء السكان، فإن الدخول البرى لقوات الاحتلال سيكون أقل تعقيدًا مما حدث فى مدينة خان يونس، حيث عملت كتائب «حماس»، الأكثر نخبوية، بالإضافة إلى منظومة دفاعها الكثيفة.

أما فى رفح، فالقصة مختلفة، الكتائب المتواجدة بالمدينة تعد أقل نخبوية، كما أن السكان المحليين معروفون بانتمائهم العشائرى البدوى، والتنظيمى الأقل، لذا فمن المتوقع أن تصطدم العملية العسكرية بمقاومة أقل من تلك التى كانت فى خان يونس أو حى الشجاعية.

ومن المحتمل أن يكون تنفيذ اجتياح إسرائيل مدينة رفح فى قطاع غزة مشابهًا تمامًا لمعركة خان يونس، وسط القطاع، عبر قيام الجيش الإسرائيلى بتقسيم المدينة إلى قطاعات متعددة، مع الانتقال من قطاع إلى قطاع، ونقل السكان على جولات، بالتزامن مع شن غارات جوية، وتنفيذ تحركات بقوات برية فوق الأرض، على أن يبدأ بعد ذلك فى مهاجمة شبكة الأنفاق.

ومن المتوقع أن تختلف العملية البرية الإسرائيلية فى رفح عما حدث فى شمال غزة، التى لم تدخل قوات الاحتلال أنفاقها بأعداد كبيرة فى معظم الأوقات، بل دخلت بقوات هندسية صغيرة لاستكشاف الأنفاق وتفجيرها، لكن من المرتقب أن تزيد تلك الأعداد فى رفح.

وبينما استغرق الجيش الإسرائيلى حوالى ٩ أسابيع للسيطرة على مدينة خان يونس، فإنه يمكن أن يستغرق فى رفح وقتًا مماثلًا أو ربما أطول، اعتمادًا على ما إذا كانت قوات الاحتلال ستحتاج إلى عدة أسابيع لإجلاء المدنيين أو إذا كان يمكنها القيام بذلك فى غضون أيام قليلة، كما يعتقد بعض مسئولى الجيش.

وتشير مصادر عسكرية إسرائيلية إلى أن المدنيين الفلسطينيين سيحتاجون هذه المرة فقط إلى ترك الخيام المؤقتة والقليل من الممتلكات، بينما كان لا بد من إقناعهم فى شمال غزة بمغادرة منازلهم وممتلكاتهم.

من ناحية أخرى، فإن عمليات الإخلاء المتعددة، التى تركز عليها قوات الاحتلال، تهدف لأن تظهر للعالم بأن الجيش الإسرائيلى يدفع المدنيين إلى ترك مواقع القتال، وأنه يسهل إنشاء ممرات إخلاء آمنة لهم.

ورغم ذلك، حتى لو لم يقُم الجيش الإسرائيلى بتفكيك كتائب «حماس» فى رفح، فإن جزءًا من المشكلة التى سيواجهها خلال الأسابيع المقبلة يتعلق بالعثور على جميع المحتجزين داخل القطاع، فى ظل عدم عدم وجود رغبة سياسية للمخاطرة بحياتهم لتحقيق هدف القضاء على «حماس»، هذا فضلًا عن دفع تكلفة الخسائر البشرية التى قد تلحق بالقوات جراء الاشتباكات فى رفح.

وتعتقد الرؤية الاستراتيجية الإسرائيلية حاليًا أن تنفيذ العملية البرية فى رفح يسمح بمهاجة أنفاق «حماس»، والقضاء على آخر منطقة كبيرة لاختباء قادتها، ما يؤدى فى النهاية لدفع الحركة نحو إبرام صفقة يمكن للحكومة الإسرائيلية أن تقبلها، وتتضمن شرط طرد قادة «حماس» إلى الخارج مقابل إطلاق سراح المحتجزين.

وفى ظل الموقف الإسرائيلى، تدور التساؤلات حول ما بعد انتهاء إسرائيل من عمليتها فى رفح، فلا أحد يعرف كيف سيكون الوضع؟ فبالنسبة لإسرائيل ستكون عملية الحسم العسكرى قد انتهت، رغم أنه من غير المؤكد أن تنجح قوات الاحتلال فى ضرب قدرات «حماس» دون احتلال المدينة، وهو ما لا ترغب فيه إسرائيل وكل الأطراف المعنية بالأزمة.

كما أن إسرائيل، وبمجرد انتهاء العملية، ستواجه عبء إدارة قطاع غزة إذا استمر وجود قواتها فيه، لأنها ستكون حينها مشغولة فى القتال ضد مقاومين يظهرون بين الحين والآخر، وهو أمر قد يستمر لعدة أشهر دون أن يكون هناك حل سياسى يُوجِد بديلًا يتولى حكم وإدارة القطاع، وإنهاء الأزمة المعروفة بأزمة «اليوم التالى».