رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 06 يونيو 2020 الموافق 14 شوال 1441

فكري داود: أدوار دول العالم الثالث ستختلف بعد كورونا

الأربعاء 08/أبريل/2020 - 09:03 م
فكري داود
فكري داود
نضال ممدوح
طباعة
من المؤكد أن العالم ما بعد وباء كورونا لن يعود كما كان قبله، وسيأتي اليوم الذي يؤرخ فيه بالوباء، وربما قيل الوقائع الفلانية حدثت قبله أو بعده، وبعيدا عن روايات أو عالم الــ«ديستوبيا»، استطلع «الدستور» آراء العديد من الكتاب والمثقفين حول هذا الفيروس القاتل، وكيف يتخيل الكتاب شكل العالم بعده؟ وما التأثير الذي سيتركه على الأدب، وعليهم شخصيا، وهل سيفرض هذا الوباء نفسه على الكتابة فيما بعد، أو حتى تداعياته والتأثير الذي تركه على العالم كما نعرفه؟ كل هذه الأسئلة وغيرها في محاولة لاستشراف عالم الغد.

وقال الكاتب فكري داود: «في تصوري أن شكل العالم، سيتغير كثيرا بعد كورونا، قد يزداد الاهتمام بالعلم، وتختلف أدوار بعض دول العالم الثالث، فالكل سواء أمام الوحش الكاسر، وعليه فإن دعوات ما – ربما تكون فردية أو لا - لبعض المؤثرين عالميا، ستنادي بحتمية التكاتف والتعاون والاهتمام بالبحوث العلمية البيولوجية، وعالم الفيروسات والبكتيريا، استعدادا لمفاجآت الطبيعة، فاليوم لا فرق بين دول غنية وأخرى فقيرة، أو دول نامية وأخرى متطورة، أمام هذا الوحش الكاسر.

وبالطبع سينشأ أيضا، اتجاه معاكس لهذا المفهوم، على اعتبار أن تجربة كورونا – التي لم تنته بعد – تشبه يوم القيامة، فكل شخص وكل دولة تقول الآن نفسي نفسي، وبذلك تتولد توجهات جديدة للصراع العالمي، لها أسبابها الخاصة ووسائلها.

واستطرد «داود»: «لن يكون الأدب بمنأى عن ذلك، فهو انعكاس لهذا كله، وبالتالي ستولد مواقف ورؤى ومصائر جديدة، لم تخطر على بال، لأن هجمة كورونا تختلف عن الطاعون وعن الكوليرا، اللذين لم يُعالجا أدبيًا بما يتناسب معهما في حينه، إلا في عملين أو ثلاثة، مع أن كلا منهما كان يستبد ببؤرة معينة ينشب أنيابه فيها.. أما كورونا فهي الحرب العالمية الحقيقية والشاملة، الواحد فيها يمكن أن يقتل الجماعة، والجماعة لا تستطيع أن تحيي الواحد! الواحد أو كما قال أحد أصدقائي (القيامة بمنظور عصري) لم نسمع عنه، حساب – أو اختبار – شامل، لم يرد ذكره في الكتب السماوية، فالطير الأبابيل جاءت لتسحق أبرهة وفيله وجيشه بحجارة من سجيل. وفرعون وعاد وثمود وقوم لوط، وغيرها من الأمم الغابرة، اختصت كل منها، بشكل من أشكال العذاب».

والأديب استشرافي كالعالم، من المقدمات يستشرف النتائج، لكن لكل منهما طريقته وأرضه وأهدافه، يفرض فروضه المحتملة، ليخلق أو يبتكر ميكانيزمات دفاعه أو يفجر أسئلته عَبْر وسائله ورؤيته، على اعتبار أن الأدب هو الكلمة في مواجهة الموت.

وتابع: «بالأمس وبقريتي تحديدا، توفي شاب مشتبه في إصابته بمستشفى الحميات، والسبب كما جاء بالتقرير هو الالتهاب الرئوي، وعليه استقبله الأهل بالأحضان والقبلات، وتم غسله بالبيت، وصلى عليه المئات قبل ودفنه والعزاء فيه كمتوف عادي، وهات يا سلامات واختلاط وقبلات، حمدا لله على عدم موته بالفيروس٬ وكأن هذا عيب أو سُبة٬ وإذ بنتيجة العينة التي سحبوها منه قبل الوفاة تظهر، مؤكدة موته بالفيروس اللعين.

والقضية هنا لم تعد تتعلق بالمتوفي الذي راح لحال سبيله على أية هيئة٬ فالأسباب تتعدد ولكن الموت واحد.

إنما القضية هي مدى الهلع الذي ساد الجميع، مصحوبا بانفجار التساؤلات حول مصائر كل المشاركين وجاءت الشرطة والصحة والإسعافات، وبدأ تضارب أقوال المسئولين، وتمت إقالات وإحالات للتحقيق، وعبأ الناس المطهرات في مواتير الرش، وتم غسل الشوارع والحوائط.

وأردف: «هناك حكاية أخري عن مجموعة من أهل المدينة، اتفقت على فعل يحار علماء النفس في تفسيره: كمٌّ كبير من البشر بأُسَرهم وأبنائهم وعرباتهم، توجهوا إلى رأس البر على البحر، متجمعين في كثافات غير معقولة، في تحد غير مبرر البتة، فلمن كان التحدي؟ ولماذا؟ والنتيجة أن المحافظة على صغر مساحتها وقلة تعدادها، باتت من أعلى معدلات الإصابة بالفيروس، والوفاة أيضا، ما هذا؟ هل هذه هي محاربة طواحين الهواء في ثوبها الجديد، أو في أحدث صيحاتها؟! إنه شكل درامي آخر لرواية كورونا».

وثمة شكل آخر من أشكال رواية كورونا: مجموعة من المعتوهين والمتعلقين بالخرافة واللاغين للعقل، يخرجون في مظاهرة حاشدة ضد من؟ لنسمع هتافهم لنعرف، كانوا يهتفون قائلين: (بالطول بالعرض هنجيب كورونا الأرض). ومرة جديدة ستجد نفسك تسأل: ما هذا؟ ولماذا؟ لكن أين الجواب؟

اختتم "داود" مؤكدا: الكتابة إذن لا بد أن تتأثر وتتغير في بعض أحوالها، ربما تنتج إنتاجا غزيرا جديدا، لكنه في تصوري سيكون في الغالب هزيلا، ربما نخرج بعمل أو عملين، استطاعا سبر أغوار الحدث الرهيب من الداخل، فيما ستكون الكتابات الأخرى متأرجحة بين السخرية غير الواعية بحرفية السخرية، وبين المنشغلة بالظاهرة من الخارج، فتصبح كمن رأى جسم القنبلة الخارجي، لكنه لم يستطع النظر إليها وهي تنفجر، أو إلى آثارها بعد الانفجار، هذا لسبب بسيط وبديهي، أنه سيكون بين الميتين من جراء انفجارها.