القاهرة : الأربعاء 23 يناير 2019
محمد الباز رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمد العسيري رئيس التحرير التنفيذي
ads
الثقافة
السبت 05/يناير/2019 - 07:51 م

كاميلو خوسيه سيلا

كاميلو خوسيه سيلا
dostor.org/2462918

حين كان مقهى لويز يفرغ تمامًا، أو يكاد، من الرواد، تعلو البسمة وجه بلاس وينزلق تحت الطاولات لالتقاط أعقاب السجاير. أحيانًا كانت غلته جيدة جدًا. قبل سنتين على سبيل المثال كانت ثمة حفلة بهيجة جدًا وقد تمكن بلاس من ملء علبته بحوالى ٧٥ عقب سيجارة. بدا كأن فخر بلاس هيريرو وفرحه يتمثلان فى هذه العلبة العميقة، الجميلة، الصفراء التى رُسمت عليها صَدَفة فضلًا عن كتابة بعض الكلمات بالإنكليزية. حين أنهى بلاس يومها عمله، ركض منقطع الأنفاس للتحدث إلى بيرجيلوندو الذى كان يومها قد غدا هرمًا جدًا وبالكاد يستطيع التحرك. قال له: «يا بيرجيلوندو، أنظر ما جمعت. هل هذا يرضيك؟». أجابه بيرجيلوندو بأعلى صوت ممكن: «أجل... أجل...» من ثم حدق بإعجاب بأعقاب السجاير مع ابتسامة مقتضبة قابضًا كيفما اتفق على حوالى نصف دزينة منها لم يلبث أن ناولها إلى بلاس. «هل قمتُ بالعمل الصحيح؟ هل أنتَ راضٍ؟». «أجل... أجل...». أخذ بلاس هيريرو مارتينيز الأعقاب التى جمعها، قام بفردها مخرجًا محتوياتها ثم صنع منها أى شكل من السجاير تأتى له. أحيانًا، كانت النتيجة سيجارة ثخينة، لكن فى أحيان أخرى تأتى رفيعة جدًا بحيث من غير الممكن تقريبًا تدخينها، حظ سيئ. دائمًا ما كان بلاس يعطى أعقاب السجاير التى يجدها فى مقهى لويز إلى بيرجيلوندو لأن بيرجيلوندو كان المالك الشرعى لكل أعقاب السجاير فى القرية. بالمحلة، لم تكن سدى تسميته أبله القرية المصنّف. حالما جاء دور بلاس التخلص من أعقاب السجاير ساعة يشاء، لم يكن يسمح لأى قادم جديد أن يغشه. كان من الصعب توقع ذلك! من الناحية المبدئية كان بلاس من النوع المحافظ الذى يولى التقاليد اهتمامًا كبيرًا، وكان مدركًا حقيقة أن بيرجيلوندو هو الأبله الرسمى للقرية. مهما يكن، يوم وفاة بيرجيلوندو لم يستطع بلاس كبح شعور عفوى بالحبور وبدأ بالقفز والنطنطة مثل حمل فى المرعى، حيث اعتاد الذهاب ليشرب. بعد انقضاء وقت قصير على ذلك أدرك أنه فعل شيئًا غلطًا ومن ثم قصد المقبرة للتكفير والانتحاب فوق رفات بيرجيلوندو، الذى لم يقدم أحد على التكفير فوق قبره، ولا بكى ولا فكر حتى بالانتحاب أو البكاء. على مدار بضعة أسابيع راح يحضر أعقاب السجاير إلى المقبرة. بعد وضعه جانبًا نصف الدزينة خاصته، يقوم بدفن البقية فى قبر معلمه. لاحقًا توقف تدريجيًا عن فعل ذلك وأخيرًا لم يعد يكلف نفسه عناء جمع كل أعقاب السجاير. عمل ببساطة على جمع ما يحتاجه وترك البقية لمن يأتى بعده ويكون بحاجة إليها. نسى أمر بيرجيلوندو ولاحظ حدوث أمر غريب: بدا له الانحناء لالتقاط عقب سيجارة، مع عدم التساؤل ما إذا كان هذا يخصه هو أم لا، شعورًا غريبًا.

ads
ads
ads