رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأحد 12 يوليه 2020 الموافق 21 ذو القعدة 1441
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

الشيخ على محمد الببلاوى.. المصلح القوى

الجمعة 05/يونيو/2020 - 07:38 م
طباعة
هو على بن محمد بن أحمد الببلاوى الإدريسى الحسنى المالكى- عُين نقيبًا للأشراف سنة ١٣١٢هـ ثم شيخًا للجامع الأزهر لمدة سنة ١٣٢٠-١٣٢٣ هـ، توفى بالقاهرة فى الثالث من ذى القعدة ١٣٢٣ هـ، من آثاره: «الأنوار الحسينية».
ولد بقرية «ببلاو» وهى قرية تقع فى شمال «سنبو» غربى بحر يوسف من أعمال (ديروط) بمحافظة أسيوط، وُلِدَ فى سنة ١٢٥١هـ، ونشأ بها، حيث حفظ القرآن الكريم ودرس مبادئ العلوم، ثم حضر إلى القاهرة، فالتحق بالأزهر ١٢٦٩هـ وتتلمذ على يد أعلام الأزهر، مثل الإمام الشيخ محمد الأنبانى والشيخ عليش والشيخ الأسيوطى واختص به ولازمه، وقد استفاد من أساتذته الأجلاء، كما انتفع بصداقة أصحابه الأوفياء، ومنهم الشيخ حسونة النواوى، وسكن معه مدة الدراسة فكانا يقيمان معًا، ويحضران الدروس معًا، ولا يفترقان إلا فى درس الفقه، فالنواوى فقه حنفى والشيخ الببلاوى فقه مالكى، والشيخ الببلاوى من أسرة الإمام الحسن بن على بن أبى طالب وابن السيدة فاطمة الزهراء، فهو ينتسب للبيت النبوى الكريم، وسافر للحجاز وأدَّى فريضة الحج عام ١٢٨١هـ، والتقى بكثيرٍ من علماء المسلمين، ولقد صدر القرار بتعيين الشيخ الببلاوى شيخًًا لنقابة الطرق الصوفية، ورشحه لذلك الشيخ حسونة النواوى، ولأنه أهل لأن يكون نقيبًا للأشراف، ووقتها كان الشيخ حسونة النواوى رئيسًا لمجلس إدارة الأزهر قبل أن يكون شيخًا للأزهر. وصدر القرار بتعيين الشيخ الببلاوى نقيبًا للأشراف فى ٦ شوال ١٣١٢هـ.
بعد استقالة الشيخ سليم البشرى من مشيخة الأزهر تم تعيين الشيخ على الببلاوى شيخًا للأزهر فى ٢ من ذى الحجة لعام ١٣٢٠هـ، ولكن الأمور لم تكن كما كان يأمل بسبب تدخل الخديو وحاشيته فى الوقوف ضد إصلاح الأزهر، وكذا المصالح العامة، فقدم استقالته من المشيخة فى ٩ محرم ١٣٢٣هـ.
وبعد أن تمكن الشيخ الببلاوى من دراسة العلوم المختلفة، وآنس فيه أساتذته القدرة على التدريس؛ فرشحوه للتدريس بالأزهر والمسجد الحسينى، حيث ألقى دروسًا فى شرح الكتب المقررة فى مناهج العلوم، ثم بعد ذلك صدر قرارٌ بتعيينه بدار الكتب المصرية لإعارة الكتب داخليًا وخارجيًا، ودرس التنظيم المكتبى، وشارك فى تصنيف الكتب وفهرستها، كما اشتهر بالتصنيف، ثم تولى رئاسة دار الكتب، وأصبح ناظرًا لها فى ١٢٩٩هـ، مع إن الكثيرين كانوا يتطلعون لارتقاء كرسى هذا المنصب، فلم يحصلوا عليه، وكان دقيقًا منظمًا فى عمله.
ولقد عاش أحداث الثورة العُرابية وشارك فيها، لكن من وراء الستار، وكانت صلته قوية بشاعر الثورة العُرابية محمود سامى البارودى، وعندما أصبح نقيبًا للأشراف نظم النقابة تنظيمًا دقيقًا وضبط أوقافها ونظم مواردها ومصادرها، وكلَّ ما يتعلق بنفقاتها، وبنى ست دور من أموال الأوقاف ليستغل إيراداتها فى النفقات المهمة، وصرف المستحقات فى مواعيدها، وفاتحه المسئولون فى ترك شياخة المسجد الحسينى لأن منصب نقابة الأشراف يفوق هذا المنصب بكثير!! فرد عليهم الببلاوى قائلًا: «ألا إنْ كانت النقابة تمنعنى من خدمة مسجد سيدنا الحسين فإنى لا أقبلها»، وظل مباشرًا للمنصبين معًًا حتى ١٣٢٠هـ.
والمعلوم أن الخديو كان مستبدًا برأيه لا يطيق رؤية رجلٍ قويٍّ مصلحٍ إلى جواره؛ ولهذا ضاق ذرعًا بالشيخ محمد عبده، مفتى مصر وعضو مجلس إدارة الأزهر، وصاحب الكلمة العليا فيه، فأراد الخديو أن يحمل الإمام الببلاوى ويجبره على معارضة الشيخ محمد عبده، وعرقلة جهوده فى الإصلاح، ولكن الإمام الشيخ الببلاوى لم يستجب لرغبة الخديو، وظل ملتزمًا بالحق، متعاونًا مع كل مجاهدٍ فى سبيله مستمسكًا بحبله المتين، ولهذا فقد وافق الشيخ الببلاوى الشيخ محمد عبده فى كل مساعيه الإصلاحية واستجاب له وأحبه وامتزج به، مع أنه يعلم أن هذا يغضب الخديو، وأنه قد يسلبه منصبه الكبير، كما أنه قد يسلب ولديه منصبيهما المهمين، ولكن الحق أحق أن يتبع، وقام المغرضون بدسِّ الوقائع بين الشيخ، وذوى السلطة، وادعوا أن الشيخ محمد عبده هو صاحب القرار والسلطة على شيخ الأزهر، ولم يعد له من الرئاسة إلا اسمها، وأن الكلمة هى كلمة المفتى، ولما بلغ الشيخ الببلاوى ذلك قال: «إن الشيخ محمد عبده لا يريد إلا الإصلاح، فلا وجه لمعارضته، وساءت الأحوال فضاق صدر الشيخ بما يحاك حوله، وبالعقبات التى توضع فى طريق مناهج الإصلاح فى الأزهر، ولهذا قدَّم الشيخ الببلاوى استقالته.
وللشيخ الببلاوى مصنفاتٌ كثيرةٌ لكن لم يصل إلينا إلا القليل منها:
(١) رسالة فى فضائل ليلة النصف من شعبان، وتوجد منها نسخة خطية مكتوبة فى ١٣١٣هـ، وقد علق عليها ولده الشيخ السيد محمد برسالة أسماها «عروس الفرقان فى الحث على ترك البدع وشوائب النقصان على الرسالة الببلاوية بليلة النصف من شعبان».
(٢) إجازة منه للشيخ محمد بن حامد المراغى المالكى الجرجاوى، أجازه فيها بما فى «ثبت» الشيخ محمد بن محمد الأمير الكبير.
(٣) «إعجاز القرآن» وهى مجموعة مقالات نشرها فى «روضة المدارس» وجمعها ابنه السيد محمود.
(٤) الأنوار الحسينية فى شرح الحديث المسلسل «يوم عاشوراء» ونصه: «صيام يوم عاشوراء إنى أحتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله».
ظل الشيخ الببلاوى ملازمًا بيته بعد استقالته، لا يخرج منه إلا لمامًا لبعض الأغراض المهمة، إلى أن وافته منيته، وتوفَّاه الله فى سنة ١٣٢٣هـ ١٩٠٥م.
وشُيِّعَت جنازته بعد الصلاة عليه فى المسجد الحسينى، ودُفِنَ فى بستان العلماء بمدافن المجاورين.