السبت 07 ديسمبر 2019 الموافق 10 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
محمد أبو حامد
محمد أبو حامد

ظهير شعبى للإصلاح الدينى

الخميس 14/نوفمبر/2019 - 06:56 م
طباعة
بعد سقوط الخلافة العثمانية عام ١٩٢٤ سعت مصر إلى الاستقلال وإنشاء دستور لها، وكان لا بد فى هذه اللحظة من تحديد العلاقة بين الدولة والدين، لذلك ظهرت عدة محاولات، كان أشهرها المشروع التجديدى للإمام محمد عبده، وهو أكثر المحاولات تقدمية، فقد كان ينادى بضرورة إنشاء دولة مدنية ونفى السلطة الدينية عن الحاكم، وتحرير حرية الفكر والتعبير من القيود، واعتبار الحريات المدنية والسياسية حقوقًا مقدسة، وقد ظهر تأثير المحاولات التقدمية التى قدمها الإمام محمد عبده وتلاميذه فى دستور ١٩٣٠، فبعدما نص دستور ١٩٢٣ على أن: «الإسلام دين الدولة» تم إلغاء هذا النص فى دستور ١٩٣٠، واكتفى على النص بأن: «المصريون متساوون فى الحقوق والواجبات ولا تمييز بينهم بسبب الأصل، أو اللغة، أو الدين».
ولكن لأن الفترة لم تكن كافية لترسيخ قيم الدولة المدنية شعبيًّا، خاصة بعد ظهور جماعة الإخوان المسلمين كقوة دينية واجتماعية لها نظرة رجعية فيما يخص علاقة الدين بالدولة، ومع توغلها فى المجتمع المصرى أصبح لأفكار الجماعة صدى فى المجتمع أفقد الإصلاح الدينى ظهيره الشعبى- أعاد النظام بعد ثورة ٥٢ نص المادة على أن الإسلام دين الدولة مرة أخرى فى دستور ١٩٦٤، وبمرور الوقت ومع حدوث عدة تغييرات فى نسيج المجتمع المصرى، خاصة بعد نكسة ٦٧، والشعور العام الذى رسَّخته تيارات الإسلام السياسى بأن: «الهزيمة سببها البعد عن الدين» وأن الدين لا بد أن يحظى بمكانة أكبر، ومع نمو هذه التيارات حدث تطور نوعى فى العلاقة بين الدين والدولة، وظهرت مصطلحات مثل «الرئيس المؤمن» على الرئيس أنور السادات، كما نص دستور ١٩٧١ ولأول مرة ليس فقط بأن الدين الإسلامى هو دين الدولة، بل بأن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيس للتشريع.
وقد أظهرت الدعوات الأولى لإصلاح الأزهر وتطوير الخطاب الدينى الصراع الممتد داخله بين الفكر العقلانى النقدى، الذى مثل دائمًا الأقلية من جهة، والفكر المحافظ الذى مثل التوجه الرئيسى داخل الأزهر من جهة أخرى، فالمؤسسات الدينية الرسمية تجد وظيفتها الأساسية فى الدفاع عمَّا تعتبره صحيح الدين، وهى تدافع عنه فى مواجهة من يخرجون عن تفسيرها له، وقد ظهر ذلك جليًّا فى العديد من تصريحات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، ومنها قوله مؤخرًا: «الأزهر لن يفرط فى رسالته قيد أنملة فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية، وفيما يتعلق بكتاب الله وسنة رسوله (ص)، نحن حراس على هذه الأمانات».
ولعل فيما ذكره الإمام محمد عبده عن تجربته فى محاولة إصلاح الأزهر خير تعبير عن هذا الصراع، حيث قال الإمام: «إن نفسى توجهت إلى إصلاح الأزهر منذ كنت مجاورًا فيه بعد التلقى عن السيد جمال الدين، وقد شرعت فى ذلك، فحيل بينى وبينه ثم كنت أترقب الفرص، فما سنحت إلا واستشرفت لها وأقبلت عليها، حتى إذا ما صادفت الموانع لويت وصبرت مترقبًا فرصة أخرى، وبعد أن عدت من المنفى حاولت إقناع الشيخ محمد الإنبابى شيخ الأزهر بشىء فلم يصادف قبولًا.. قلت له مرة: هل لك أيها الأستاذ أن تأمر بتدريس مقدمة ابن خلدون فى الأزهر؟ ووصفت له من فوائدها ما شاء الله أن أصف، فقال: إن العادة لم تجر بذلك.. ثم قال الإمام محمد عبده: إن بقاء الأزهر متداعيًا على حاله فى هذا العصر محال، فهو إما أن يعمر وإما أن يتم خرابه، وإننى أبذل جهد المستطاع فى عمرانه، فإن دفعتنى الصوارف إلى اليأس من إصلاحه فإننى لا أيأس من الإصلاح الإسلامى، بل أترك الحكومة واختار أفرادًا من المستعدين فأربيهم على طريقة التصوف، التى ربيت عليها، ليكونوا خلفًا لى فى خدمة الإسلام، ثم أؤلف كتابًا فى بيان حقيقة الأزهر، أمثل فيه أخلاق أهله وعقولهم ومبلغ علومهم وتأثيرهم فى الوجود، وأنشره باللغة العربية ولغة إفرنجية، حتى يعرف المسلمون وغيرهم حقيقة هذا المكان التى يجهلها الناس حتى من أهله.. وقال أيضًا لبعض مفكرى الغرب: أريد أن أعلم فى الأزهر شيئًا نافعًا بدلًا من هذه الشروح العتيقة البالية الخالية من المعنى، التى هى أضر من كتبكم القديمة المؤلفة فى القرون الوسطى.. ولكن هل أجد من يساعدنى على ذلك؟ وإن لم أجد فهل أفلح فيه وحدى؟.. هذه العبارات التى ذكرها الإمام عن تجربته الشخصية تعبر وبشكل واضح عن الصراع بين الفكر العقلانى النقدى وبين الأغلبية المحافظة، وتؤكد أيضًا مدى المقاومة العنيفة التى يواجهها كل من يدعو إلى إصلاح وتطوير الأزهر والخطاب الدينى.
إن التاريخ يعلمنا: أن المؤسسات الدينية لا تتطور من تلقاء نفسها، إنما لا بد من تحد خارج عنها، فمثلًا عندما تجد أعداد التابعين لها تتقلص بخروجهم عن تعليماتها أو بانصرافهم عن المشاركة فى أنشطتها، مثل ما جرى للكنيسة المسيحية فى أوروبا فى القرن السادس عشر فى أكبر حركة إصلاح دينى عرفتها مؤسسة دينية، وقد جاء ذلك فى خضم حركة تطور اجتماعى شعبى هائل عرفته أوروبا، إن المؤسسات الدينية دائمًا تراهن فى عدم استجابتها لدعوات التطوير على الظهير الشعبى، الذى يساند جمودها وتقليديتها، ولعل أوضح مثال على ذلك ما ورد فى تصريحات الإمام الأكبر الدكتور الطيب معللًا قيام الأزهر بتعطيل عمل البرلمان بخصوص تعديلات قانون الأحوال الشخصية حيث قال فضيلته: «إنه حين يتصدى الأزهر لمشروع قانون الأحوال الشخصية كمشروع قانون فهو يزاول عمله أو واجبه الأول بحكم الدستور وبحكم القانون وحتى بحكم العامة، لأن العامَّة لا تقبل أن يقنن لها مَن لا علم له بشريعته أو بأمور الأسرة من زواج وطلاق وميراث وغيرها»، ولذلك فإن تكوين ظهير شعبى لفكرة الإصلاح الدينى هو البداية الصحيحة له، والتى سوف تفتح المجال إلى صياغة قوانين لإعادة تنظيم المؤسسات الدينية الرسمية وحوكمتها بنصوص قانونية واضحة تفرض عليها القيام بواجبها نحو تطوير الخطاب الدينى ومراجعة المناهج الدينية.