رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

حتى لا يكون الجمال بضاعة أهل القبح

 

هل تتذكر عزيزى القارئ ما حدث منذ عامين، عندما استغاثت «إسراء جمال»، إحدى طالبات الفرقة الرابعة بكلية تربية نوعية جامعة عين شمس والعضوة بفريق مبادرة «معًا لنرتقى» الذين قاموا بتجميل الحوائط والشوارع بالفن التشكيلى فى حى العباسية بمحافظة القاهرة، تتحدث بإحباط إلى «صدى البلد» قائلة إنهم فوجئوا بمسح كل الجداريات التى قاموا برسمها من قبل الحى دون الرجوع إليهم أو إخبارهم بذلك.

واشتكت: «مسحوا تعبنا من غير ما حد يبلغنا»، وأكدت إسراء أنهم قاموا بتلك الرسومات على نفقة الحى، فقد كان يمدهم بأدوات الرسم، مشيرة إلى أن أعضاء الفريق تعبوا كثيرًا لإنجاز تلك المهمة وتجميل المكان بكل ما فى وسعهم.

وعلى العكس من تفاصيل ذلك الحدث، ومنذ شهور قليلة، نتذكر كيف رحب التليفزيون المصرى على هواء برنامج شهير بتجربة مماثلة فى إحدى المحافظات، قيل إن معلمى التربية الفنية هم الذين أداروا مجموعة عمل من الشباب «وأشك فى الواقع نسبة هذا العمل لأى مواطن له علاقة بأى درجة من درجات التذوق الفنى».. من الواضح وعبر استعراض البرنامج التليفزيونى أن الأعمال قام بها خطاط إعلانات الشوارع بشكل غاية فى القبح واختيار أشكال وألوان قادرة ببراعة على تشويه ميادين وشوارع كان الاكتفاء بتجديد طلائها أفضل كثيرًا من ارتكاب ذلك الفعل المشين.

المؤسف أن مقدمى ذلك البرنامج قدموا ذلك الإنجاز البشع بسعادة غامرة وتنافس المذيع والمذيعة فى إطلاق عبارات الإطراء والإشادة بدرجة الإبداع والوطنية التى تميز بها أصحاب ذلك المشروع القبيح!

والأغرب والأكثر مفاجأة أن يطالبا بضرورة تكريم أفراد ذلك الفريق، فيتم الرد عليهم أنه بالفعل تم تكريمهم من قبل الجهات المحلية المسئولة، وأنه تم تكليف فريق العمل بالتوسع ونشر إبداعاتهم فى معظم أحياء وشوارع المحافظة، ويناشد البرنامج كل المحافظين الاستفادة من نتائج تلك التجربة الإبداعية وتعميم ممارسات شبيهة باعتبار أن ما قدم يمثل خطوة هائلة لدعم القيم الجمالية على أرض مصر المحروسة!

أمر محزن بحق أن نرى تلك الدرجة من تدنى حالة الذوق العام لدى بعض شباب الإعلام، وأن نرى بعض المحليات يزيل ملامح الجمال بتلطيخها بطبقات أسمنتية، والبعض منها يشرف على نشر القبح فى الشوارع، ويكفى تتابع أخبار ونشر مقالات استغاثات لرفع تماثيل بشعة تتوسط الميادين.. يكفى أن نرى تمثالًا للبطل العظيم عبدالمنعم رياض بهذا الحجم الصغير والبدن الضعيف والنظرة المسكينة إلى أسفل وسط ميدان هو الأكبر فى القاهرة الذى كان يسمح بوجود تمثال عملاق فى ميدان احتشد فيه الملايين فى وداع الشهيد والقائد العظيم!

تحدث تلك الكوارث فى ظل وجود رئيس مصرى ينشد الجمال ويعمل ليل نهار لتغيير كل ملامح القبح بداية من التعامل الرائع مع العشوائيات والمناطق التراثية، ووصولًا لبناء عاصمة جديدة يقدم من خلالها النموذج الأروع لدعم كل القيم الجمالية المعاصرة.

ومن بدايات عمل الرئيس عبدالفتاح السيسى، فقد وجه وزارة التنمية المحلية والمحافظات بطلاء واجهات المبانى فى المحافظات، بدلًا من صورتها الحالية على الطوب الأحمر، وذلك لإضفاء الطابع الجمالى عليها.

للأسف فإن بعض من يحدثوننا بتباك وحسرة عن انزواء قيم الجمال المحققة للبهجة والسعادة لعموم البشر عبر كل وسائط الميديا، نجدهم وقد تعاملوا مع الفنون والأعمال الإبداعية ومبدعيها عبر تناول سطحى وانطباعى، والغريب أن تتاح لهم مساحات هائلة، وبدلًا من استثمار تلك المساحات للنقد المحترف والموضوعى وجعلها مساحات للتنوير والتعريف بتاريخ الفنون ومدارسها وبذل الجهد فى قراءة جوانب الجمال وإضاءات الإبداع المميزة والإضافات المتحققة لتحقيق طفرات فى دنيا الفنون والإبداع، فإذا بنا أمام صفحات وبرامج تصور من يشغلونها أن كل مهامهم الاكتفاء بالحديث التقليدى تحت عنوان «الفنان فلان الذى لا تعرفونه».. وتنساب الحوارات والمقالات بالاكتفاء بتفاصيل السير الذاتية الاجتماعية «على طريقة أين ترعرع سيدى وأكلتك المفضلة وقالوا عنك بخيل وطلقت عشر مرات ليه هه.. إحكيلنا وسلينا».