رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

ما بين الرهبنة القبطية والكنيسة فى العالم

الثلاثاء 20/أكتوبر/2020 - 08:03 م
طباعة
كثير من أساقفة الكنيسة القبطية- من ضعيفى الحياة الرهبانية الصادقة وجوهرها ومفهومها- لا يدركون الفرق بين الدور الحقيقى للحياة الرهبانية والحياة الكنسية فى العالم. لكل منهما دور هام ولا يجوز الخلط بينهما وإلا أدى إلى فوضى كنسية.
أتذكر عندما كنت طالبًا فى الفرقة الثالثة بقسم الهندسة الكهربية فى العام الجامعى «١٩٧٠- ١٩٧١»- أى منذ خمسين عامًا- كنا ندرس مقرر الآلات الكهربائية، وكان لهذا المقرر معمل خاص به، وكان هذا المعمل أسبوعيًا نشاهد فيه وندرس عمليًا عمل الآلات الكهربائية. أتذكر جيدًا إحدى التجارب كانت تحت مُسمى «المحرك- المولد الكهربائى». المحرك «الذى اخترعه العالم الإنجليزى (مايكل فارادى) سنة ١٨٢١ يقوم بتحويل الطاقة الكهربائية إلى طاقة حركة دورانية»، أما المولد فهو جهاز ميكانيكى يقوم بتحويل الطاقة الحركية إلى طاقة كهربائية، وقد اخترعه أيضًا «مايكل فارادى» سنة ١٨٣١. والتجربة كانت تتلخص فى الآتى: لدينا محرك كهربائى متصل بمولد كهربائى، وفى البداية نعطى طاقة كهربائية بسيطة للمحرك الكهربائى، فيبدأ المحرك الكهربائى فى العمل، ومن ثم يدير المولد الكهربائى الذى بدوره يولد كهرباء يمدها للمحرك الكهربائى وهكذا، وتستمر الحركة تبادلية بين الجهازين: المحرك والمولد. ولكن السؤال: هل هذه الحركة تستمر تبادلية بينهما دون توقف؟ الإجابة: لا!! لماذا؟ لأنه فى التوصيلات الكهربائية بين الجهازين يوجد فاقد نتيجة المقاومة التى فى الأسلاك الموصلة بين الجهازين، لذلك من وقت لآخر يجب تزويد المحرك بطاقة كهربائية. كانت تجربة ممتعة ومثيرة ولها الكثير من المعانى فى حياتنا.
انتهت التجربة وغادرنا المعمل إلى قاعة المحاضرات لنستمر فى دراستنا، لكن هذه التجربة كانت عالقة فى ذهنى لسبب لا أعلمه!! وبعد انتهاء اليوم الدراسى وأنا فى طريقى إلى المنزل كانت هذه التجربة تدور فى ذهنى بقوة، فجاء فى خاطرى: الرهبنة والكنيسة التى فى العالم.
الرهبنة هى المحرك، والكنيسة التى فى العالم هى المُوّلد. فالرهبنة تحرك الكنيسة وتؤازها بالصلوات والطلبات والتضرعات والنصائح الرهبانية الغالية التى نطلق عليها «أقوال آباء الكنيسة» تلك التى جذبت أناسًا من الغرب أمثال «بلاديوس» و«روفينوس» وغيرهما ليمكثوا فى الأديرة القبطية شهورًا وسنين ليسجلوا أقوال آباء الكنيسة الأتقياء. وقد تركوا لنا العديد من الكتب الرائعة، التى بها أعمال آباء الكنيسة ومنهم كتاب «فردوس الآباء» وكتاب «بستان الرهبان». أما الكنيسة بحيويتها وعمل الآباء الكهنة الأتقياء بها من أمثال الأب بيشوى كامل الكاهن التقى بكنيسة مار جرجس باسبورتنج «تنيح فى ٢١ مارس ١٩٧٨» تولد أبناء أتقياء لأن الكنيسة- كما تذكر المؤرخة الكنسية الأستاذة إيريس حبيب المصرى- «أم ولود»، تولد من رحمها أبناء أتقياء منهم من ينخرط فى السلك الرهبانى ومنهم من يحيا فى العالم بتقوى وقداسة وحب حقيقى للخدمة. هذا الأب الكاهن عندما اهتم ببناء كنيسة فى حى شعبى جدًا بمنطقة الحضرة بالإسكندرية، اشتهى أن يسكن فى «عشة صفيح» ليشارك السكان حياتهم اليومية ويهتم برعايتهم عن قرب. هذه الروح التقوية سكنت فى قلوب كثير من الشباب فصاروا يخدمون فى العالم بحب، ومنهم من هاجر إلى الخارج، حاملين معهم هذه الروح التقوية، والبعض الآخر انخرط فى الحياة الرهبانية بكل ما فى الرهبنة من نسك شديد وصلاة دائمة وحب لكل نفس بشرية. لقد ترك هذا الأب الكاهن سيرة طيبة ما زالت ترددها الأجيال جيلًا بعد جيل، حتى الذين لم يعاصروه.
هذا هو وضع الرهبنة بالنسبة للكنيسة، ووضع الكنيسة بالنسبة للرهبنة. فكما أنه لا يمكن أن يتحوّل المحرك إلى مُوّلد، ولا المُوّلد إلى محرك، هكذا لا يمكن بأى حال من الأحوال أن تقوم الرهبنة بعمل الكنيسة فى العالم، ولا أن تقوم الكنيسة بعمل الرهبنة فى الدير. هذا الخلط مستحيل، بل يدل على الجهل برسالة كل منهما. ويسجل لنا تاريخ الكنيسة أنه فى القرن الرابع الميلادى فى وقت الحروب الأريوسية التى شنها الأريوسيون على البابا أثناسيوس الرسولى البطريرك العشرين والكنيسة القبطية كلها، ماذا فعل القديس أنطونيوس «أب الرهبان»؟ ترك البرية ونزل إلى الإسكندرية لمساندة البابا أثناسيوس، ثم عاد إلى ديره. فالرهبنة تحافظ على عقيدة الكنيسة من أى انحراف، وتحافظ على تقاليد الكنيسة من أى عبث، وتحافظ على تراث الكنيسة الحى من أى اندثار، وتحافظ أيضًا على وحدة الكنيسة وسلامتها. اليوم الكنيسة تحاول أن تفقد هويتها!!.
حدث- منذ وقت قريب- أن اجتمع أحد الأساقفة براهبات أحد أديرتنا القبطية فى محاولة منه لإقناعهن بالخروج للخدمة بالخارج «أى يخرجهن من الفردوس»، على أساس أن الرهبنة الديرية هى طاقات مُعطّلة!!. وبعد أن أنهى كلمته- التى كانت مرفوضة من جميعهن- فتح الباب للمناقشة. فوقفت راهبة شجاعة تتحدث بلهجة صعيدية رائعة وأسلوب روحانى جدًا وأسلوب رقيق كأنه قطعة موسيقية اكتسبته من حياة التقشف بالدير، وقد نطق على فمها روح الرب فقالت: «نحن هنا نصلى من أجل العالم كله، وقد تركنا كل شىء فى الدنيا وجئنا للتمتع بالحياة الروحية الصادقة، فمثلًا ليس من المعقول فى وقت الحرب يخرج جميع الجنود إلى الجبهة لمحاربة العدو؟ فمن ذا الذى يدافع عن الجبهة الداخلية؟ هذا بالإضافة إلى أنه فى الخارج ممكن أن نتعرض للمحاربات الشيطانية». ثم أضافت قائلة بكلمات قوية ووداعة وحازمة وبسيطة: «الفكرة التى تحارب من أجل تنفيذها بكسر نذر رهبنة الراهبات العابدات هى فكرة شيطانية». نظر إليها هذا الأسقف وقال لها بتهكم لأنه عجز أن يواجه فكرها الرهبانى العالى: «احتفظى بهذا الكلام لنفسك.. يالا اقعدى». ولأنها راهبة صادقة قالت له: «أخطأت سامحنى»، من منطلق الأدب الرهبانى الرائع.
هذا الفكر الذى يتبناه بعض الأساقفة الذين لم يتذوقوا جمال الحياة الرهبانية بل هم منقادون وراء الفكر الكاثوليكى- لأن الرهبنة فى الكنيسة الكاثوليكية رهبنة خادمة، بعكس الكنيسة القبطية، وهذا ليس بعيب عند الكنيسة الكاثوليكية لأن هذا نظامهم الكنسى وعلينا أن نحترمه، ولكن لا نقلده. فنحن لدينا المنهج الرهبانى الذى وضعه آباء الرهبنة.
أيضًا لدينا فى العلوم المختلفة يوجد نوعان: علوم أساسية متمثلة فى الرياضيات والفيزياء والميكانيكا النظرية والكيمياء، وعلوم تطبيقية فى المجالات الهندسية المختلفة والطبية والزراعية والتجارية... إلخ. وجميع العلوم التطبيقية تقوم أساسًا على العلوم الأساسية التى من خلالها يتم اكتشاف العديد من النظريات العامة التى تُستخدم بعد ذلك فى مجالات التطبيق. فلا يمكن إلغاء العلوم الأساسية التى هى العمود الفقرى للعلوم التطبيقية.
هكذا الرهبنة، هى العمود الفقرى للكنيسة القوية. والكنيسة غير المسنودة بالصلاة اليومية كنيسة ضعيفة ولا يمكنها أن تواجه الحروب الروحية المختلفة. سبب قوة الكنيسة فى عصر البابا كيرلس السادس هى قوة الرهبنة.
الخطورة الحالية تكمن فى أن الكنيسة القبطية أصبحت تسير فى خطى الكنيسة الكاثوليكية!! تحت اسم «الوحدة المسيحية». نعم الوحدة المسيحية مطلوبة وضرورية، فبينما نحن كنيستان لكن المحبة والمودة والألفة موجودة. فلا يوجد جذب وفر بين الكنيستين، بل جميعنا أحباء. ليس فقط الكنيستان بل أيضًا مع الكنيسة الإنجيلية. فنحن جميعًا نحبهم بصدق ونشاركهم أعيادهم، وكل منا يحتفظ بتقاليده وعاداته. فلنحذر تغيير هوية الكنيسة بآراء شخصية وهدامة لأركان الكنيسة.