رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأحد 05 يوليه 2020 الموافق 14 ذو القعدة 1441
ماجد حبته
ماجد حبته

الغنوشى وأشياء أخرى

الأحد 24/مايو/2020 - 03:59 م
طباعة
راشد الغنوشى، رئيس البرلمان التونسى، رمز، قائد، وزعيم حركة «النهضة» الإخوانية، حاصرته الانتقادات، الهجمات، والاتهامات بعد أن صار يلعب على المكشوف فى الملف الليبى، وبعد أن اقتربت ثروته من ٨ مليارات دولار، طبقًا لتقديرات استندت إليها عريضة وقعها آلاف التونسيين، طالبوا فيها بتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق والتدقيق والكشف عن مصادر تلك الثروة.
عدد الموقعين على هذه العريضة كان قد تجاوز الخمسة آلاف، حين كتبنا، منذ أسبوع، أننا ننتظر وصوله إلى خمسين أو مائة ألف، ولا ننتظر، ولن ننتظر، أن يلتفت إليهم الرئيس التونسى، ولو بخطبة ركيكة. لكن الأستاذ قيس سعيد خيّب ظننا، وقال فى خطبة ألقاها بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك إن «الأموال المنهوبة يجب أن تعود إلى الشعب التونسى»، وأكد أنه بصدد إعداد مشروع قانون لاسترجاع تلك الأموال ومكافحة الفساد.
طوال الأسبوع الماضى، لم تتوقف جزيرة «موزة» وأخواتها، ووكالة «الأناضول» وأذنابها، عن اتهام مصر، السعودية والإمارات بأنها تقف وراء الهجوم على الغنوشى، بينما قال الواقع، ويقول، إن العريضة لم يوقع عليها إلا تونسيون. بالضبط، كما أن الاتهامات التى طالت المذكور وجهتها أحزاب وكتل برلمانية تونسية، قامت الأيام الثلاثة الماضية بتصعيد لهجتها ونددت بشكل مباشر، فى بيانات، بتدخله فى الشأن الليبى، ومناصرته الاحتلال التركى وسماحه، وسماح الحركة الإخوانية التى يقودها، بتدفق الإرهابيين للقتال ضد الجيش الوطنى الليبى.
غير شبكة «الجزيرة» وأخواتها، ووكالة أنباء «أردوغان» وأذنابها، لم يدافع عن الغنوشى إلا مشبوهون، فاسدون، أو من تحركهم المخابرات التركية أو أجهزة مخابرات دُول أخرى، عبر الأستاذة «موزة» أو «العائلة الضالة» التى تحكم قطر بالوكالة. فى حين شهد الداخل التونسى شبه إجماع على ضرورة التصدى لسلوك الإخوان السياسى ورفض الاستسلام لسيطرة «حركة النهضة»، التى تضبط توجهاتها، مواقفها وقراراتها على البوصلة التركية أو القطرية.
البيانات، التى هاجمت واتهمت الغنوشى أصدرتها سبعة أحزاب وأربع كتل برلمانية لها أكثر من مائة مقعد: الكتلة الديمقراطية «٤٠ مقعدًا»، كتلة قلب تونس «٢٦ مقعدًا»، كتلة الدستورى الحر «١٨مقعدًا»، كتلة تحيا تونس «١٤ مقعدًا»، والكتلة الوطنية «١٠ مقاعد». وتأسيسًا على ذلك، يعقد مكتب البرلمان التونسى، فى ٣ يونيو المقبل، جلسة لمساءلة المذكور بشأن «تجاوزاته الخطيرة وأدواره المشبوهة وارتباطاته بالتنظيمات الإرهابية فى ليبيا».
على هذا الخط، خط الهجمات والاتهامات، دخل الأستاذ قيس سعيد، وقال فى خطبة العيد إن «الدولة التونسية واحدة.. ولها رئيس واحد فى الداخل والخارج». وأكد أنه لن يسمح لأى طرف بتجاوز القانون أو تجاوز صلاحياته التى منحها له الدستور. وقال إن «هناك من يريد العيش فى الفوضى. فوضى الشارع وفوضى المفاهيم ولكن للدولة مؤسساتها وقوانينها. الدولة ليست صفقات تبرم فى الصباح وفى المساء».
بموجب الفصل السابع والسبعين من الدستور التونسى، فإن رئيس الجمهورية يتولى تمثيل الدولة، ويختص بضبط السياسات العامة فى مجالات الدفاع والعلاقات الخارجية والأمن القومى المتعلق بحماية الدولة والتراب الوطنى من التهديدات الداخلية والخارجية. وعليه، يكون تدخل الغنوشى فى الملف الليبى تجاوزًا صريحًا لصلاحيات رئيس الجمهورية. ويكون أيضًا قد انتهك الدستور وخرق قانون مجلس النواب حين زار تركيا، والتقى الرئيس التركى، وحين اتصل بفايز السراج، رئيس ما كان يوصف بالمجلس الرئاسى الليبى، لتهنئته على الاحتلال التركى لقاعدة الوطية.
قيس سعيد، أستاذ جامعى متخصص فى القانون الدستورى، يوصف بـ«الروبوكوب» أو الرجل الآلى. ويصنفه مراقبون على أنه محافظ، ويقول آخرون إنه قريب من «حركة النهضة» الإخوانية، أو من حزب «التحرير» السلفى. ثم أثبتت مواقفه وأفعاله وردود أفعاله، بعد توليه الحكم، أن قربه من أولئك أو هؤلاء، لن يقدم أو يؤخر، وأنه يذهب فقط إلى حيث تقوده حنجرته. ومن ذلك، مثلًا، تأكيده لحاكم قطر فى مكالمة تليفونية، الخميس، أنّ تونس «تضع كلّ إمكانياتها على ذمّة الشعب القطرى». مع أن التونسيين رفضوا تدنيس ذلك الفتى لتراب بلدهم، واستقبلوه فى مطار تونس، قرطاج، أواخر فبراير الماضى، رافعين شعارات من عينة «تميم زعيم الإرهاب»، «اللعنة على ابن موزة»، وقاموا بتنظيم وقفة احتجاجية أمام سفارة قطر، نددوا خلالها بسياسة الدوحة الداعمة للإرهاب و«المُفسدة» للحياة السياسية التونسية.
بخطوة للأمام واثنتين للخلف، يُثبت الرئيس التونسى أنه لا تقوده إلا حنجرته. وبخطوتين فوق الأرض وواحدة تحتها، نجح «إخوان تونس» فى إفساد غالبية مؤسسات الدولة، واستطاعوا تسميم المناخ السياسى، وتمكنوا من تحصين قادتهم وجعلوهم فوق المساءلة والمحاسبة. وعليه، سيظل ما قاله الأستاذ قيس سعيد فى خطبة العيد، مجرد كلام فى الهواء، ولن يصل أثره أو تأثيره إلى أبعد من حنجرته، ما لم يتم فتح الصندوق الأسود لثروة الغنوشى، وحركة النهضة، مجهولة أو معلومة المصدر، وما لم يتم إغلاق حنفية المال السياسى الفاسد.
ads