رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الثلاثاء 22 سبتمبر 2020 الموافق 05 صفر 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

أسقف واعٍ يدرك حقيقة مسئوليته

الأربعاء 01/أبريل/2020 - 01:16 م
طباعة
الأنبا مكاريوس – أسقف المنيا – أسقف واعٍ يدرك تماماً حقيقة عمله الرعوى، ومن صدق أرتباطه بالكتاب المقدس، وتعمقه فى مطالعة حياة وأعمال الشهداء والقديسين تشبه بهم فى أعمالهم، فصارت أعماله التى تسبق أقواله متطابقة بصدق مع أعمال آباء الكنيسة العظام مما أعاد إلى أذهاننا صورة هؤلاء الآباء الذين أضاءوا المسكونة بجليل أعمالهم.
تجلت حقيقة أسقف المنيا فى الأحداث الأخيرة التى نشهدها حالياً فى انتشار وباء الكورونا المُستجد فى العالم كله، وبصدق معايشته الإنجيلية وحياته الرهبانية الصادقة والأمينة، رفع نظر أولاده فى المنيا – بل ونظرنا جميعاً - إلى المفهوم الحقيقى لما يجب أن يسلكوه فى تلك الظروف، مما كان له الأثر الإيجابى فى تهدئة النفوس المضطربة.
فى 15 مارس 2020 اجتمع بكهنة الإيبارشية والخدام والخادمات بالكنائس المختلفة وقدم لهم توجيهات رعوية بمناسبة توقف الاجتماعات والدراسة لمدة أسبوعين، وقال لهم بوعى: إن توقف الاجتماعات والأنشطة هذين الأسبوعين، لهو فرصة ذهبية للافتفاد في المنازل، ونقل الكنيسة إلى الشعب. إنها فرصة لنقترب أكثر إلى أولادنا، نعزيهم ونشجعهم ونتواجد معهم، وأن نصلي ونقرأ الكتاب المقدس معهم، ونتعرف عليهم أكثر وعلى احتياجاتهم عن قرب. يمكن لكل أب كاهن وكل خادم وكل خادمة، كلٍّ في مجاله، من زيارة كل مخدوميه خلال هذه المدة، لاسيما وأننا سنكون متخففين من أعباء الاجتماعات النوعية والأنشطة وتحضير العظات. إنها فرصة لنتحول إلى الخدمة العملية، وأن يتتلمذ أولادكم عليكم، وهي فرصة كذلك لإقامة الحوار المباشر والشخصي معهم. كذلك هي فرصة لتوصيل البركة (المساعدات المادية) لإخوتنا المحتاجين في منازلهم، بدلًا من الحصول عليها من خلال الاجتماع الخاص بهم او الطوابير الطويلة. خادم الرب يخدم بكل الطرق وفي كل الظروف، يخدم الجماعات والأفراد من خلال الصلوات الكنسية ومن خلال الافتقاد، يأتي إليه الناس حين يستطيعون، ويذهب هو إليهم حين تحول الظروف دون مجيئهم. إن هذه الأيام فرصة لخدمة المرضى والمحبوسين والشيوخ والعجائز، فجميعهم نمضي إليهم حيث يقطنون، فقد كرّسنا ذواتنا من أجل شعبنا، وفيهم نرى الله، ومنهم ننال البركة. إنها فرصة نادرة للنزول عن المنابر والتوقف قليلاً عن الوعظ والتبكيت والتأنيب. فكما ورد فى المزمور 104 "ما أعظم أعمالك يا رب، كلها بحكمة صنعتَ".
ثم يقدم لأولاده وشعب إيبارشيته بل ولجميع الشعب القبطى العديد من تاريخ الكنسية – وهو التاريخ العملى – فقال لهم: تمرّ الكنيسة عبر تاريخها، ومن وقت لآخر، بظروف استثنائية كالحروب والأوبئة وغيرها، تضطر معها الكنيسة إلى اتخاذ تدبيرات غير تقليدية، كأن تتحول إلى مستشفيات ميدانية أو مراكز لخدمة الوطن بشكل أو بآخر. ‏‏إن قرار توقُّف الصلوات فى الكنائس هو تدبير من الكنيسة لمواجهة الخطر العام، يوجب الطاعة. ‏هذا القرار أظهر كم يحب الناس الكنيسة وكم يعشقونها وكيف أنها أمهم. ‏هذه الفترة أثمرت أنقى وأطهر وأقوى الصلوات الارتجالية من البسطاء، ومن أطفال أبرياء خرجت طلبات تهز الكون، وتسيل الدموع، وتنتزع الدهشة، وتشيع الفرح والرجاء. ‏يشعر الكثير من الآباء الكهنة بالإحباط نتيجة توقف القداسات، ولكنها فرصة للعمل الفردي والدراسة والبحث والتأمل، وأخيراً العودة إلى الخدمة من جديد باشتياق وشهية. ثم قام بتوجيه كلمة مخلصة في أذن الآباء الكهنة: (لعلنا الآن ندرك قيمة الشعب الذي نخدمه، وأنهم هم من يجعلوننا رعاة كما أنها فرصة لاختبار قدرتنا على الاختلاء، وفرصة لتعويض التقصير مع أسرنا). ‏أشعر أن هذه الفترة ستتحول إلى محطة هامة، لمراجعة أمور شتى في الحياة وليس علاقتنا بالله فقط، مثل علاقاتنا بالآخرين والمقتنيات والمال والأولويات، ونظرتنا للحياة بشكل عام. ‏هذه الفترة التي تُعَد محطة، سيقف عندها الرعاة والمؤرخون والحكام ورجال الأعمال ورجال الطب والتكنولوجيا، وستُدرَس من أوجه عدّة. إنها تذكّرنا بأسطورة اختفاء قارة "أتلانتس" من الوجود ولقد سمح الله أن نكون شهوداً على هذه الفترة وجزءاً منها. ‏بقدر ما في الأمر من توتر، بقدر ما فيه من بركات، مثل: تعوُّد البقاء في المنزل، ولمّ شمل أسر كثيرة، وتقليص سهر الأبناء بالخارج، واقتراب الوالدين من الأبناء والتعرف عليهم أكثر، إلى إظهار الحب للآخرين والخوف عليهم. ‏مما لاحظته أن الناس الأكثر رعباً وقلقًا هم المتنعِّمون، والذين يأخذون من الدنيا كل ملاذّها ومتاعها ورفاهيتها، خوفاً من أن يُحرَموا منها؛ بينما البسطاء هم الأقل قلقاً لأنه ليس هناك ما يبكون عليه ولكن الحياة غالية يجب الحفاظ عليها لأنها هبة من الله. وقال لشعبه فى رسائله الأبوية: لا يليق بنا أن نهوِّن من حجم الخطر المُحدِق بالعالم؛ فإذا قامت الحروب فلا بد أن نكون مستعدين، وإذا حذّروا من الوباء فلنحذر الوباء، وإذا نبّهوا إلى الزلازل والحريق والبراكين والمجاعات فلنحذر هذه أيضاً، فقد حدثت بالفعل مثل هذه ومات كثيرون، ومنهم قديسون ماتوا بالوباء مثل القديس باخوميوس أب الشركة الرهبانية، والذي راح يطوف بين المصابين بالطاعون يقدم لهم أنواعاً من العون، مثلما مات "باسيل هانسن" بالجُزام وهو يحيا بين المجزومين يعالجهم، وقديسون افترستهم الوحوش، وآخرون ماتوا بطرق مشابهة، ولم ينقص هذا من قداستهم؛ فليس مُهمّاً كيف وأين مات الشخص؟ وكم عاش؟ لكن المهم كيف عاش ما عاشه من السنين؟. أضاف قائلاً : لقد لاحظتُ خلال الأيام القليلة الماضية أنه، بينما ارتعب البعض، وخاف البعض الآخر، وتوجّس البعض الثالث، فإن هناك أشخاصاً لم يهتزّوا ولم يقلقوا، وتعاملوا مع الأمر ببساطة شديدة تُرى ما هو السبب في ذلك؟ هل هي عدم المبالاة، أم الإيمان القوي والثقة في الله، أم ماذا؟ عندما تحاورت مع بعضهم حول الأمر قالوا: نحن بنعمة ربنا مستعدون، لسنا قديسين، ولكننا منتبهون أننا قد نموت في أي وقت بأسباب متعدّدة، ومع ذلك فإننا نأخذ احتياطنا، أولاً لأن أجسادنا وزنة يجب أن نحافظ عليها. ثم قدم نصيحة أبوية مخلصة لأولاده فقال لهم: (عش يوماً بيوم، في فرح وشكر. افرح بكل خبزة تأكلها، وكل كوب ماء تشربه، وكل كلمة جيدة تسمعها، وكل ليلة هادئة تنامها، وكل إنجاز تنجزه، واشكر الله أنه أبقاك حتى الآن، وهو جُلّ ما يتمناه الكل وسط هذه الأعاصير). ‏ولكن لا تكن سلبياً، تتفرغ لمتابعة ما يتناقله الآخرون حول الوباء، إنما شارك بقدر طاقتك في التخفيف عن الناس، وتقديم العون بشتى الطرق. اجعل كلماتك لينة مشجِّعة مُبهجة، باعثة على التفاؤل والرجاء. ‏لا تتردد فى الشفقة على مريض، ولا تسخر من خائف، ولا تستخفّ بالوضع الراهن، ولا تغلق أحشاءك نحو الآخرين. ‏ثم وجه عتاباً أبوياً على من استغلوا الحدث استغلالًا ردياً، ما بين تاجر جشع، إلى واعظ أمسك بالسياط يُبكّت ويؤنب وينذر بالويلات، إلى شامتين سواء بالحكومة أو الناس أو دور العبادة، وكمن يفرح في بلية الآخرين؛ ونسوا أننا جميعاً في مركب واحد، يجب أن نجّدف معاً وإلّا سنغرق سوياً. ‏إن تصريح الرب بأنه "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى"، معناه إن المريض لابد أن يلجأ إلى الطبيب. ويقول يشوع ابن سيراخ "ثم اجعل موضعاً للطبيب، فإن الرب خلقه ولا يفارقك فإنك تحتاج إليه". ‏الانتصار الحقيقي في هذا المعترك، هو أن تنتصر على خوفك، وعلى خطاياك، وعلى تشكيك الشيطان؛ فيوماً ما سنموت، وتتبقّى الحقيقة الأكيدة وهي: كيف سنقف أمام الله الديان؟ ‏يبدو أن ما يحدث هو لسقوط وقيام كثيرين.