رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 04 يوليه 2020 الموافق 13 ذو القعدة 1441
وائل خورشيد
وائل خورشيد

وائل خورشيد يكتب: لا ندم في الأماكن المشرقة

الخميس 12/مارس/2020 - 11:25 م
طباعة
عند النهاية قد نندم، وقد لا نندم، لا يمكنني أن أحدد كيف يكون الأمر يقينا، ولكن نفكر..

النهاية لا أقصد بها الموت، ولكن نهاية المرحلة، الحالة، الموقف، الحدث، أيا يكن، فعندما نصل للحظة التي يمكننا فيها الوقوف والتقاط الأنفاس، والنظر للوراء لتقييم الأمور، كل شيء جائز.

قد تكون حققت أكثر مما تريد، ومع ذلك، طمعا تظن أنه كان بالإمكان أن تفعل أكثر، والبعض قد يكون حقق أقل مما يظن، ولكنه راضٍ، مدرك للظرف، ويعرف الفرق بين الحلم والممكن.

إديث بياف، المغنية الفرنسية الشهيرة، رغم حياتها الممتلئة بالحزن والاكتئاب الذي صاحبها حتى الموت، اختارت أن لا تندم على شيء فـ«كله مضى، انقضى، نسي».

قبل أيام، وبينما كنت أشاهد فيلما يدعى «all the bright places»، وهو يستعرض فكرة كيف يمكن أن تكِّون كل الأشياء البسيطة فيما بعد ذكرى عظيمة، وأن قيمة الأشياء ليست بكلفتها، ولكن بالمواقف المصاحبة لها، ومن صاحبنا خلالها.

خلال أحداث الفيلم ظهر سؤال مكتوب على حائط وقف أمامه بطلا الفيلم، السؤال هو: «before i die i want» وبالعربية: «قبل أن أموت أريد؟» وقررت أن أنقل السؤال لحسابي على «فيسبوك» واستطلعت الآراء، وجاءت ردود عديدة أغلبها كان يتحدث عن الندم، أو على وجه الدقة، الخوف من الندم.

الكثيرون كانت أمنيتهم أن لا يشعرون بالندم قبل الموت. هي إجابة فضفاضة تشمل الكثير، فمن طلب السفر، ولم يفعل، سيندم وقتها إن لم يفعل، ومن كتم حبا ربما يندم، وكل شيء إن لم تفعله قد تشعر بالندم.

من الصعب منع هذا الأمر، لأن عدم الندم يتطلب الرضا، والرضا يتطلب أن نفعل كل ما في وسعنا، ونحقق كل ما نستطيع، فإذا جاءت ساعة النهاية، فإننا لن نندم لأننا نعرف أننا فعلنا ما علينا وهذا نصيبنا من الحياة، ولكن يصل هذا بنا لجدلية أخرى، هل هذا ما كان في وسعنا حقا؟ أما أننا نتصور وهذا حكمنا فقط على الأمور؟

هذه أشياء لا يمكنك أن تمسكها جيدا، ولا أن تتحقق من مدى تحقيقك لها من عدمه، ففي النهاية الأمر تقديري جدا، خاضع للرأي، يختلف من واحدٍ لآخر، فهناك فتاة يكفيها الجلوس للقراءة وكوبا من القهوة لتشعر أنها امتلكت العالم، ومن تريد شراء ثيابها من باريس، وهناك من يمتلك العالم، وينتظر أن تشمل قبضته ما خارجه.

وأيضًا، نحن حينما نفعل أي شيء فإننا نفعله بطريقة تفكيرنا ومعرفتنا في حينه، وبعد أن نكبر قد نكون أكثر حكمة وعقلا، ونرى الأمور بشكل أكثر وضوحا، وبناء عليه نحكم برؤيتنا الجديدة، فإذا أمكنك أن تفكر بعقلك في عمر الموت أو النهاية، أيا ما كان، فإنك قد تتجنب الندم. وهذا بالطبع شيء غير منطقي.

لكن عندي ظن، وهو مجرد رأي بسيط، ما يفصل في الأمر هو أن نشعر بالسعادة، وأننا امتلأنا مما فعلناه، أن جذور الأشياء تشعبت داخل أجسادنا وتشبعنا منها، وأن نصل يوما للحظة النشوة القصوى، ولحظة انكسار قاصمة، وجلسة يتوقف فيها العالم بينما أنت مع من تحب، ويوم تتغير فيه الأمور وتتبدل الأحوال، عليك أن تختبر الفرح والحزن والعشق والفقدان والهذيان والصمت والضحك الهستيري، وتقترب من الموت ثم تعود للحياة مرة أخرى، عليك أن تشعر أن قلبك وعقلك يحترقان من التفكير في شيء ما أو شخص ما، عليك أن تنتظر أحدهم، وأن تعرف أن أحدهم يعتبرك كل العالم.

التركيز مع الفرص المهدرة والحيوات الناقصة لن يهدينا لشيء، افعل ما يمكنك أن تفعل، امتلئ بالحياة، وفرِّغ نفسك من الأمنيات، وتوقف عن التنافس الخيالي مع الآخرين، ربما عندما تصل للنهاية لن تشعر بحدة الندم، فالميزان قد يكون متكافئ، تبتسم لحظات وتندم على أخرى، وهي المعادلة الصفرية التي قد تحقق لك بعض الرضا.
ads