الخميس 20 فبراير 2020 الموافق 26 جمادى الثانية 1441
مؤمن المحمدي
مؤمن المحمدي

لغة الأبنودى

الجمعة 17/يناير/2020 - 06:53 م
طباعة


الشعر لغة خاصة، مؤسسة على اللغة المحكية المعتادة، نابتة منها، لكنها مش هى، عشان يبقى شعر أصلًا، لازم يخالف اللغة اليومية، فى كل مستوياتها، صوتيًا وصرفيًا ونحويًا، وعلى كل المستويات.
تمام، جاهين وحداد وغيرهم، كانوا بـ يكتبوا كلام مؤسس على لغة أهل القاهرة، نابت من لغة أهل القاهرة، حتى لو مش هو بـ الظبط، لكنه نابت منه، الأبنودى بقى، كان بـ يكتب شعر مؤسس على لغة أهل القاهرة، ولا على لغة أبنود؟
الواقع، إنه فيه ناس كتير حبت الأبنودى، علشان هو بـ يكتب «صعيدى»، أو بـ يتكلم «صعيدى»، وأنا مش عايز أصدمك، بس شعر الأبنودى مؤسس بـ الكامل على لغة أهل القاهرة، ولا علاقة له بـ أى قرية فى الصعيد، هو مش بـ يكتب من قاموس بلده، ولا بـ تركيب بلده، ولا أى حاجة من هناك.
هو بـ يلحوس لغة القاهرة دى، بـ حتة كدا صغيرة جدًا، جاية من اللا مكان، قال يعنى كدا بقى «صعيدى»، مثلًا ينطق بدال الجيم القاهرية جيم «صعيدية»، وإحنا اتفقنا إنه مفيش حاجة اسمها «الجيم الصعيدية»، لـ إنه فى الصعيد فيه ناس بـ تنطق الجيم المعطشة، شبه كلمات «جاك» و«بيجو» و«جوزيف»، وفيه قرى كتير بـ تنطقها دال.
فيه قرى بـ تنطقها «دج»، شبه الـ«دج» الإيطالية، اللى بـ نقولها فى «بادجيو»، إنما الكلمة نفسها قاهرية، أو لازم تكون مفهومة فى القاهرة، مثلًا:
«إحنا بتوع الأجمل وطريقه الصعب والضرب ببوز الجزمة وسن الكعب».
فى كلمة «الجزمة»، هو هـ يقول لها بـ تعطيش الجيم، إنما «الجزمة» قاهرية، فى قرى الصعيد الأغلب بـ يستخدموا مركوب أو مداس أو نعل أو غيرها، وما بدؤوش يقولوا «الجزمة» إلا مؤخرًا جدًا، ومش كلهم دلوقتى بـ يقولوها، ودا له أسباب تاريخية مش موضوعنا.
دا مجرد نموذج
شعر الأبنودى مش مبنى على أى لغة من الصعيد، ما عندوش كلمات زى: فايع، زعط، طهبج، حادن، بورة، شوغتى، مرصرص، مدندف، فواتى.. ومئات الكلمات المستخدمة فى قرى الصعيد بـ كثافة، ومش مفهومة هنا فى القاهرة خالص.
يعنى هو فى جوابات حراجى القط بـ يقول إيه:
«عود درة وحدانى فى غيط كمون».. فى معظم قرى الصعيد «خصوصا وإحنا فى الستينات» ما اسموش «درة» خالص، اسمه «القيضى»، بس هو لو قال: عود «قيضى» وحدانى محدش من اللى بـ يسمعوه فى الراديو هـ يفهم حاجة، فـ هو بـ يكتب شعره مؤسسًا على لغة أهل القاهرة، بس بـ يدى له لمسة كده لـ جذب الانتباه، كان ممكن يستغنى عنها، وما كانش هـ يفرق حاجة.
غير الأبنودى صديقى الشاعر سعيد عبدالمقصود بـ يكتب «عامية» أى بـ لغة القاهرة، سعيد من بحرى، من محافظة البحيرة، لما كنا نبقى فى مؤتمر ولا حاجة، وييجى له تليفون من بلدهم، كان يتكلم فى التليفون، ما تفهمش منه حرف، ما تفهمش فعلًا يعنى.
فـ سألته: إنت بـ تكتب شعرك بـ أنهى لغة؟ قال لى بـ «العامية المصرية»؟ قلت له: حلو! إنت لما بـ تتكلم فى التليفون، أنا مش بـ أفهمك، بس لما بـ تكتب شعر، بـ تكتب كلام مفهوم.
قال لى: ما أنا لو كتبت شعرى زى ما بـ نتكلم فى البلد، محدش هـ يفهمنى.
إذن، سعيد بـ يكتب شعره، مؤسسًا على لغة أهل القاهرة، الشاعر أحمد مرزوق مش بـ يكتب زى ما بـ يتكلموا فى «دراو» «اللى هى فى أسوان»، كذلك، اللى جى من أى حتة، وقرر يكتب شعر، مش بـ يكتب بـ «لغة» بلده، كلهم بـ يكتبوا بـ لغة أهل القاهرة، حتى لو ادوها لمسة أو لمحة، لازم يكتبوا بـ لغة القاهرة.
لو عايز تسمع شعر مش بتاع القاهرة، تعالى أقابلك بـ اللى بـ يعملوا كدا، فى الفيوم مثلًا فيه ناس كتير بـ تكتب شعر «محلى» بـ لغة قرى الفيوم، لو فهمت منهم سطرين، ليك منى ١٠٠ جنيه.
حيلو! أظن آن الأوان نتكلم عن «اللغة العربية»، بس دا فى مقالات قادمة.
ابقوا معنا.