السبت 07 ديسمبر 2019 الموافق 10 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
صفوت البياضي
صفوت البياضي

الشكر.. لغة العالم

الأربعاء 30/أكتوبر/2019 - 09:17 م
طباعة
من المعلوم لنا أن هناك نحو سبعة آلاف لغة ولهجة، وتأتى اللغة الصينية فى المقدمة والتى يبلغ عدد الناطقين بها قرابة ألف وأربعمائة مليون بنسبة تقترب إلى ١٧٪ من سكان العالم، تليها فى الترتيب اللغة الإنجليزية ويتكلمها أكثر من ستمائة مليون نسمة، وفى المرتبة الثالثة تأتى اللغة الهندية ويتكلمها أربعمائة وسبعة وثمانون مليون نسمة، ثم تأتى فى المرتبة الرابعة اللغة العربية، وينطق بها أكثر من أربعمائة وعشرين مليون نسمة، وفى المرتبة الخامسة تأتى اللغة الإسبانية ويتكلمها نحو ثلاثمائة وثمانين مليونًا، ثم الروسية والناطقون بها ثلاثمائة مليون، والإندونيسية الناطقون بها مائتان وأربعون مليون نسمة، فالفرنسية لنحو مائتين وعشرين مليونًا، فالبرتغالية لما يزيد قليلًا على مائتى مليون، فاليابانية والألمانية لنحو مائة مليون لكل منهما.
ومع الآلاف من اللغات تبقى لغة واحدة يشترك فيها العالم كله، وهى لغة الشكر الموجه للخالق لمن يؤمن بوجوده الأزلى وللمخلوق الآدمى لمن لم يؤمنوا بعد بخالق الكون وكل من فيه أو عليه.
وتأتى هذه المقدمة بمناسبة أهم اللغات الشعبية التى يتفق عليها سكان المعمورة كلها وهى لغة الشكر، حيث وردت كلمة الشكر والحمد لفظًا فى التوراة والإنجيل ثلاثًا وأربعين مرة عدا المرادفات، مثل التسبيح والترنم وكلها تفيض بالشكر. وفى القرآن وردت كلمة الشكر تحديدًا تسعًا وثلاثين مرة.
الشكر فى الولايات المتحدة من أهم الأعياد التى يشترك فيها كل الذين يعيشون على أرضها، بل وانتقل إلى بلدان عديدة حول العالم.
والسؤال: هل الله فى علاه يحتاج إلى شكر الإنسان، أم أن الشكر من الإنسان عائد بالنفع على ذات الشاكرين الحامدين؟
كثيرًا ما ربطنا كلمة الشكر بما نأخذ حتى ارتبط الشكر بالأخذ، وهذا يخالف ما يجب أن نكون عليه، صحيح الشكر للمعطى واجب، ولكن الشكر هو العطاء، لأنه تعبير عن المعطى الأكبر الذى يعطى بسخاء ولا يعاير، وأما واجب الإنسان فأن يعطى بسرور لا بغرور، والسرور مرتبط بغنى الواهب الرازق الذى أعطانا بغنى وكرم وجود، وعلينا أن نعطى الآخر لا منّة منا، فما عندنا هو أمانة من المعطى، وعندما نعطى نحن فإنما نقوم بعمل ساعى البريد الذى يحمل الرسالة إلى منتظرها ومستحقها، أما الشح والتقتير فهما أشبه بساعى بريد غير مؤتمن على تقديم الرسالة لصاحبها.
لقد شعر الأب بأن ابنه الوحيد يحلم بسيارة من نوع متقدم وبلون معين لتكون هدية الولد بعد نجاحه فى السنة الأخيرة له فى التعليم، وكان حلمه بهذه العطية يشغل فكره طوال فترات الدراسة، ونجح الابن وأراد الأب أن يفاجئ ابنه بهدية، وكانت علبة جميلة بداخلها كتاب عنوانه «كتاب الحياة»، ولكن الشاب غضب وخرج من البيت بعد أن ألقى بهدية الوالد، ولم ينتظر ليسمع شرح والده لسبب هذه الهدية، ولماذا أهداه هذه الهدية تحديدًا رغم علمه بما يتمناه. وسافر الابن إلى منطقة بعيدة، حيث التحق بالعمل، ولم يشأ أن يتصل بوالديه، مما أحزن قلب الأب، وبعد أسابيع فارق الحياة وقرأ الابن خبر وفاة الأب، فسافر ليتلقى العزاء ويقف بجانب والدته، وفى البيت رأى الهدية التى كان يريد أن يقدمها له والده، وإذا بداخل الكتاب الثمين فاتورة شراء السيارة بمواصفاتها التى كان يحلم بها الشاب.
لقد تعلم الابن الدرس ألا نربط بين الشكر بمقابل مادى، بل نشكر المعطى ليس فقط من أجل مال ومغنم، فقد وهبنا الله نعمًا كثيرة، وقد لا يكون المال من مفردات العطاء. فالصحة والرفقة والأسرة والوطن والمناخ كلها عطايا تستحق الشكر.
وعودة إلى عيد الشكر فى أمريكا الذى أصبح من أهم الأعياد، تتعطل المدارس أسبوعًا كاملًا، وعطلة المصالح يومان مرتبطان بنهاية الاسبوع تبدأ من الخميس الرابع من شهر نوفمبر وحتى بعد العطلة الأسبوعية، أى يومى السبت والأحد، وتفرد الموائد التى تتوسطها ديوك الرومى.
أما التقليد الذى يقوم به رئيس الولايات المتحدة فيقدم له ديكان، فيطلق سراحهما ولا يجوز ذبحهما، بل يحافظ على حياتهما حتى موتهما موتًا طبيعيًا. لا شك أن للتجربة معناها ومغزاها. فالحياة أهم وأبقى، والرمز يشير إلى مساعى السلم والسلام، والحفاظ على حياة الفرد أهم من مغانم الحروب التى تركت بصماتها عبر التاريخ، فبدلًا من الغزو والقتل، على الساسة أن يسعوا للحياة الكريمة لكل الشعوب، ولتنتهى الحروب الاستعمارية والغزوات العدائية لاحتلال الأرض وانتهاك العرض والسلب والنهب إكراهًا وظلمًا. إنها دعوة وصوت يرتفع: لا للحروب، ومعًا لبناء جسور السلام والحب والرخاء لكل أجناس العالم.