رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

يوميات العراق (4-5)

كربلاء غير المقدسة



كل شىء فى العراق يبدو مألوفًا.. الوجوه.. الرائحة.. التراب.. لا شىء غير كلمات قليلة فى اللهجة العراقية.. كلمات جديدة تجعل عقلى يعمل.. تحفز خلاياى كى تتجدد. تخرجنى من مدارات التكرار والعادية.. قليل من الكلمات العفوية التى تنطق ببساطة لكنها تقف عند حاجز سمعى. «شكوماكو» (إيه الأخبار).. شنو (إيه).. وتعبيرًا عن احتفاء أصدقائى العراقيين بوجودى بينهم وعدونى بعزومة على (باجة).. الباجة هو رأس الخروف المسلوق ويقدم مع التمَّن أى الأرز.. كما أهدونى «كليجة» وهى معجنات محشوة بالملبن أو العجوة تشبه «القراقيش»، وكان عنوان مجموعتى القصصية «الحور العين تفصص البسلة» يحتاج لترجمة فكنت أترجم كلمة البسلة إلى البازلاء، لكنهم كانوا يفسرونها: أه تقصدين البازاليا.
عندما سألت عن كيفية زيارة «المشهد الحسينى». كان الرد أن «الكربلة» لا تبعد عن بابل أكثر من نصف ساعة بالسيارة. فاستنتجت أن العراقيين يخففون نطق «كربلاء» إلى كربلة والطريقة التى تنطق بها «الكربلة» رغم أنها تكتب فى كل مكان «كربلاء» تبعدها عن المعنى الذى يرسخ فى وجدانى، فكربلاء بالنسبة لى هى أرض الكرب والبلاء التى أريق على ترابها دم حفيد رسول الله وعلى أرضها منع ماء دجلة عن بنات رسول الله.. فالقدوم إلى كربلاء كان استرجاعا لكل لحظات الألم والضيق والعذاب التى تعرض لها آل محمد.. كنت أمنى نفسى بأن تمس قدماى موضع خطو الثائر الحسين، أو جبل الصبر زينب عقيلة بنى هاشم، ولكن نفسى كانت تردنى وتصيح بى: ويلك وماذا إن تطابقت قدماك وأقدام القتلة والسفاحين الذين لم يراعو حرمة الإنسانية أو الدين؟.. ما بين الرجاء والخوف كانت خطواتى مضطربة، وجلة، فى الشارع المؤدى للعتبات الحسينية فى كربلاء حيث أشار مرافقى إلى تل وقال: من هناك كانت تطل «السيدة زينب» وشاهدت مصرع الحسين. يا وجعى.. يا وجعى كيف لأرض أن تُقبل دم الحسين وها أنا أمشى وأوغل فى الطريق فيحاصرنى الدم المقدس.. قدماى ثقيلتان وحمرة الأرض تعكسها صفحة السماء وأنتظر مطرًا أحمر كخوفى، أسود كحزنى.
قبل أن نصل لمدينة كربلاء شدد مرافقونا- وقد كنا ثلاث كاتبات عربيات ومخرجة عراقية وشاعرة كندية- على ضرورة تغطية شعرنا، والحقيقة أننى كنت أعتقد أن الأمر سيكون بالبساطة نفسها التى أزور بها المساجد والمزارات الكبرى فى القاهرة. ففى العادة أذهب للزيارة بملابسى العادية فقط أحمل على ذراعى «شالًا» كبيرًا أضعه فوق رأسى بمجرد دخولى حرم المسجد، لكن الأمر كان أعقد من ذلك بكثير، فقد نزل أحد مرافقينا فى الطريق للمدينة واشترى لنا عباءات وحجابًا عراقيًا كاملًا، ويبدو أن شعرنا المكشوف عرّضنا للوقوف والتدقيق فى نقاط التفتيش أكثر مما لو ارتدينا الزى المسمى بالإسلامى. يا الله كيف تتحول الثورة ضد السائد والموروث والطغيان والقوة الغاشمة، إلى إرث وسطوة وفرمانات وعقابات تحدد من يقترب ومن يبتعد؟، من أجل أى شىء بذلت دمك يا حسين؟.
كربلاء المدينة المقدسة.. بسقوطك، بموتك.. مدينة خانقة.. مفتعلة.. متشنجة.. خنقنى ما ارتديته احترامًا لقوانينها.. لشروحها، لتفسيراتها.. كربلاء التى صدر لها مؤخرًا تشريع محلى يحمل اسم «قدسية كربلاء»، وتنتشر على حوائط شوارعها ملصقات تحذر من عقوبات لمرتكبى مخالفات تشمل «الجهر بالأغانى» وعرض الملابس النسائية فى «واجهات المحلات». وتتشكل بها «لجنة رعاية تطبيق المرسوم الخاص بقداسة كربلاء»، وكأنها لجنة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.. مدينة بائسة، مدينة تحكمها السياسة والمصالح.. كربلاء التى رأيتها مدينة صراع للنفوذ، للمكانة، للدنيا.
يا حسين.. ذهبت لكربلاء لكنى لم أجدك، كان عسس بنى أمية يملأون الطرقات ويفتشون قلبى على الحواجز.. وصاحت بى امرأة أثارها أحمر أظافرى: إنه ينقض الوضوء.. ابتعدى.. إنه ينقض الوضوء.. كنت يتيمة وباكية فلم تسعفنى حجتى. أى جهل يفرض على من يدخل المسجد أن يكون على وضوء؟.. إذا كان الطاهرون فقط من يأتون للبيت، فأى ملاذ للعصاة والخطايا؟!.
يا حسين كيف لمن يخدمك، وينتسب إليك أن يلتفت لأحمر أظافرى ولا يرى سواد قلبه؟.
يا حسين.. يا زينب.. أنا لا أحب كربلاء غير المقدسة.