رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

محمد إبراهيم طه: «الحرب في الشرق» رواية سيرة ذاتية

جانب من الفعالية
جانب من الفعالية

قال محمد إبراهيم طه إن رواية “الحرب فى الشرق” للدكتور زين عبد الهادى ترصد آثار الحرب على مصر فى خمسينيات القرن الماضى ولا تتطرق بشكل مباشر إلى  الحرب؛ وهو ما فعله عبد الهادي.

أضاف طه، خلال مناقشة رواية "الحرب فى الشرق" بمقر دار نشر بتانة، بحضور د.صفاء النجار، وأدار النقاش الكاتبة رشا عبادة، أن الرواية تتضمن العديد من المشاهد التى رصدت أوجاع الحرب وآثارها فى أعقاب ١٩٦٧ فى بورسعيد وما تركته من آثار فى بورسعيد وناسها وأن منطقة الذكريات غنية فى هذه الرواية البعيدة ومن أجمل مشاهد الرواية عودة الصبى البطل إلى بورسعيد عقب نجاحه فى المرحلة الابتدائية عام ١٩٦٩ وأنه تصادف أثناء تجوله فى هذا الخراب إعلان نزول نيل ارمسترونج، رائد الفضاء الأمريكى على سطح القمر، وباختصار أن "الحرب فى الشرق" رواية سيرة ذاتية.

الرواية هى العمل السادس في مسيرة الدكتور زين عبد الهادي الإبداعية وإن كان يضاف لها الكثير من الأعمال في المجالات المتعلقة بعلم اجتماع القراءة وتطورات ما بعد الحداثة وأكثر من ٤٠ عملا في مجال المكتبات والمعلومات.

من أجواء الرواية "العائلة"

لا يُمكنني أنْ أتذكَّرَ أسماءهم الآن، لكني سجلتُها على رقعة ما، كي لا أنسى، ربما لأنني لم أحبهم قط، وربما لأنني أحبهم أكثر مما يحتملُ قلبي الذي يئنُّ بلا جدوى، وأصبحتْ بقيةُ رحلتي في الحياة محاولة اكتشاف كيف سكنني هذا، لقد حمَّلوني ما لا أحتمل، فبفضلهم جميعاً تحولتُ إلى رجلٍ ليس له علاقة بالعالم، يمكنك أنْ تُطلق عليه "ذلك الرجل العالق في منطقة ما محرمة، منطقة تقع بين الذكريات والأحلام" أو هذا الرجل الذي يحاول اصطياد السماء، لست وحدي الذي حاول اصطياد السماء، جميعا اشتركنا في تلك المحاولة، أو على الأصح في تلك "المسألة" التي تشبه وعد الرب للتائهين بأنهم يوما ما سيعودون!. 

تخليتُ عن فجاجة الواقع، واقتربت من هاوية الجنون، بدا الأمرُ في لحظةٍ ما كأنه رسالةٌ من القدر عليَّ أنْ أفك شفراتها المرهقة، ربما لأني لا أعتبرهم الآن بشراً، ولا أعتبرهم شياطين ولا حتى ملائكة، ربما لأني أراهم الآن صوراً للأسى والمرح ، لحياة حقيقية لم تكتمل يوماً، الحياةُ لا تكتملُ إطلاقاً بأي شكل، لابد أنْ تترك خلفك شيئاً لم يكتمل أبداً ولن يكتمل، وتفعل ذلك غالباً بشكل متعمد، كي تشعر أنَّ هناك يوماً ما قادمٌ ستُتمُ فيه ذلك، بينما أنت متأكدٌ داخلك أنك لن تُتمه، إنها فقط رغبتك وأمنياتك الخالدة في أنك ستعيش للأبد، بينما تعلم علم اليقين أن ذلك لن يحدث، لن تتم أشياؤك أبداً وأنك يوماً ما سترحلُ، لكنْ تظلُّ أمام ناظريك أشياؤك التي لم تكتمل، التي تذكرك دوماً كم أنت ضعيفٌ وناقصٌ، وأنك لأمرٍ ما غامضٍ داخلك، ستعيشُ للأبد!.

آه من تلك الحياة التي تعودت رؤيتها ليلاً تتألم من "الرطوبة" التي سكنت العظام فلا يمكنني أن أسمع سوى نشيج الألم، كيف كان هذا الألم يتحول لضحكات على "الطبلية" أو مائدة الطعام الخشبية الفقيرة للغاية، التي كلما أعادوا طلاءها، ضاع الطلاءُ بعد عدة أسابيع وعادت للونها الكالح، كأنَّها ترفضُ الأقنعة!

معركة بورسعيد: ديسمبر 1963

أثناء انتقالهم من "القابوطي أو "سيدي محمد القابوطي" حيث مساكن عمال مصنع "الغزل والنسيج" التي تتكون غالباً من طابقين، كأنما بُنيتْ على عجل، البيوتُ هناك كانت ضيقة للغاية تحوطها الرطوبة والملح من كل الجهات، فلم تحتملهم أرضها ولم يحتملوا الحياة فيها، لم يكن السبب ضيقها، لكن رقعة الأرض التي بنيت عليها البيوت كانت غارقة وسط تلال من مناجم الملح الذي يتشبث بالهواء ويتكاثف ثم يتحول في الصيف لرطوبة خانقة، انتقلوا في ذلك اليوم جميعاً من جنوب المدينة إلى "المساكن الشعبية" في حي العرب قريباً من البحر، وعبر طريق امتلأ بالملاحات والأرض القاحلة والمرتفعات والمنخفضات البنية اللون، التي تظهر كبقع من الزيت افترشت وجه الرمال وقتلت فيها الحياة ، كأنها جلد أصابه البرص، وتحت شمس الصيف القائظة التي تتمطى في كسل شديد وهدوء مقيت فوق الرؤوس التي تحاول الفكاك منها بكافة أنواع أغطية الرأس من العمامات البلدية والقبعات الإفرنجية القديمة والطُرَح النسائية أو حتى صحيفة فوق الرأس أو قطعة من الكرتون، كانت تلك "الطبلية" هي الميراث الوحيد الذي تشارك فيه الجميع، بالإضافة لميراث سيدي وستي، وروبابيكيا عمتي أمينة وأبنائها وبناتها، الميراث الذي حملوه جميعاً إلى تلك الشقة المعجزة التي لم يتخيلوا مطلقاً أنْ أقدامهم ستطأ أرضها، وأنَّ أجسادهم ستستريح هناك، وأنَّ أبناءهم الجُددَ سيوُلدون فيها، وأنَّ بعضهم سيموتُ ويُقتلُ هناك، ذلك سيحدثُ يوماً ما، لكنه حدث حين بنى "عبد الناصر" لهم تلك البيوت، بأموالهم التي لم يعرفوا عنها أي شيء أبداً من قبل  والتي لن يعرفوا أي شيء عنها بعد ذلك، لكن ما يقولهُ التاريخُ أنهم دفعوا ديون الخديوي إسماعيل من حُرِّ مَالِهم، ودخل كثيرٌ منهم السجون لسنوات.