جريدة الدستور : إنعام محمد على والدراما الاجتماعية (طباعة)
إنعام محمد على والدراما الاجتماعية
آخر تحديث: الخميس 03/12/2020 07:54 م
مدحت بشاى مدحت بشاى

«كرهت أن يكون التعامل معى لمجرد أنّنى شكل أو صورة جميلة، لقد كرهت حبّهم لجمالى، وعدم احترامهم لعقلى، فقرّرت أن أحطم قيودى، وأقف خلف الكاميرا أعبّر عن المرأة».. تلك كانت بعض تصريحات المخرجة الألمانية «ماى زيترلنج» الغاضبة، وهى المخرجة الأوروبية الشهيرة انتقادًا للرؤية المجتمعية السخيفة القاصرة للمرأة حتى على شاشة السينما.
أما فى مصر المحروسة فقد كان لدينا ومنذ ما يقارب القرن من الزمان مبدعات فى مجالات الفن السابع.. تقدمت الرائدة المخرجة المصرية عزيزة أمير، ونافست فرسان السينما الأوائل بوعى وحماس، وأطلّت على العالم بفيلمها الأول «ليلى» عام ١٩٢٧؛ ففتحت الباب أمام آسيا داغر وفاطمة رشدى والأجيال التالية. وقد ظلت المرأة المؤثرة هنا هى تلك التى مارست وشغلت العديد من المواقع المهنية والإبداعية، وكان لها فضل الريادة والسبق فى بعض المجالات أو النضال، لفتح باب كان مغلقًا أمام أجيال من النساء، أو ربما لكونها أصبحت رمزًا يلهم النساء والرجال على حد سواء. من بين أهم الرائدات فى مجالات فنون الدراما والسينما المخرجة الرائعة «إنعام محمد على»، وكنت قد أشرت فى مقال سابق لى بجريدتنا الرائعة «الدستور» إلى المقابلة التى أجراها معها الإعلامى البارز د. محمد الباز على هواء برنامجه الشهير، وهى الرائدة المعاصرة التى تمثل الامتداد الرائع للمبدعات الأوائل فى مجال الإخراج السينمائى، وقد أشارت فى المقابلة إلى أنها ومنذ عملها الأول «هى والمستحيل»، قد وضعت محددات لقبول الشروع فى تنفيذ أى عمل درامى، لعل من أهمها أن يكون للدراما التى تقدمها ما يُعد إضافة تسهم فى تحقيق أهداف التغيير والتطوير الاجتماعى والقيمى والإنسانى للمجتمع المصرى والعربى.
وبالفعل، فبداية المشوار مع دراما «هى والمستحيل» كان تناول قضية أمية الإناث وأثرها السلبى على الأسرة المصرية، كما يعرض المسلسل قصة كفاح بطلة العمل «الأمية» التى انتصرت بصبر ودأب على أُميتها وحتى مراحل التعليم العالى، وتقول مخرجتنا إنها فوجئت، وهى على منصة إحدى الندوات، بسيدة تُعرفها بنفسها وتخبرها بأنها بعد معايشة أحداث دراما «هى والمستحيل» عقدت العزم على تجاوز محنة الأمية، وأنها الآن أستاذة دكتورة فى كلية الآداب، وأخرى، وبتفاصيل مختلفة قالت لها: «لقد شكلت دراما إنعام محمد على محطات مهمة فى حياتى». وأكتب مقالى بمناسبة قيام مخرجتنا الكبيرة برئاسة لجنة تحكيم مهرجان الإسكندرية، وهى التى لا تتردد فى تلبية دعوة أهل الفن السابع بالمشاركة والتعاون بتقديم خبراتها الريادية فى دعم الكثير من الفعاليات المهنية والإبداعية. وقد لفتت «إنعام» النظر إلى أن كثيرًا من جهات الإنتاج والقنوات الفضائية أصبح يجرى وراء النجم، وهو ما أدى لانقلاب معايير صناعة الفن، كما أن الإعلان أصبح هو المسيطر والمحرك لسوق الفن والقنوات التليفزيونية، الأمر الذى أثر على الدراما، فضلًا عن انتشار ظاهرة ورش العمل لإعداد سيناريوهات المسلسلات، بما لا يحقق وحدة العمل ورؤيته الخاصة. ويُعد مسلسل «أم كلثوم» من أفضل المسلسلات التى تناولت السيرة الذاتية لفنان على الإطلاق، حيث حقق المسلسل نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، وتذكر المخرجة كيف حذرها رئيس قطاع الإنتاج من اختيارها الفنانة صابرين لأداء دور «أم كلثوم»، وأنها ستتحمل عاقبة أمر فشل العمل، مما رفع درجة التحدى وصعوبة الأمر لديها، لكنها قبلت التحدى، وكان رهانها على الفنانة وإعدادها الجيد للدور صائبًا. كما يذكر أن «إنعام» كانت أول مخرجة دراما تليفزيونية، فقد كان الرجال يسيطرون على كل فرص الإخراج، فقد أدركت أن من يمتلك أدوات عمله يستطيع القيادة والنجاح بحكمة، وتقول فى هذا الصدد: «لقد كنت أحرص دائمًا على محاولة إخراج أقصى ما عند الممثل، حتى يخرج المشهد مؤثرًا بأفضل صورة، ورغم صعوبة التكرار، إلا أن الممثل وفريق العمل كله أصبحوا يعرفون أسلوبى، ويرفضون الانتهاء من العمل قبل الحصول على أفضل نتيجة». ولم تقدم «إنعام» عملًا دون رسالة، فهى ترى أن على الدراما أن تسهم فى تطوير المجتمع، وأن تكون مادتها فيما ينبغى أن يراها الناس، وفى قالب جذاب وممتع. ويذكر أنه وبعد سنوات قليلة من عملها بالتليفزيون، حصلت على الماجستير من المعهد العالى للإعلام فى رسالة بعنوان «الدراما التليفزيونية ودورها فى التطوير الاجتماعى»، وهذه الرسالة هى التى أسهمت فى تشكيل رؤيتها فى مجال الإخراج، وفق ما تؤكده فى الكثير من مقابلاتها، وعلى إيمانها الراسخ بأهمية الدور الاجتماعى والإنسانى والقيمى للدراما التليفزيونية.