جريدة الدستور : لا يستحدث من العدم (طباعة)
لا يستحدث من العدم
آخر تحديث: الإثنين 24/02/2020 04:49 م
مؤمن المحمدي مؤمن المحمدي
الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من العدم. المادة كمان، لا تفنى ولا تستحدث من العدم. حاجات كتيرة جدا، لا تفنى ولا تستحدث من العدم، يمكن كل حاجة كدا. اللي بـ يتغير بس الشكل وبعض التفاصيل، نتيجة تعقد التفاعلات كلما تقدمنا في الزمن.

إنما الطاقة هي هي، والمادة هي هي: كاهن القبيلة هو رجل الدين هو أمير الجماعة. شيخ القبيلة هو صاحب القرار سواء كان رئيس جمهورية، أو مالك رأس المال، أو زعيم عصابة لـ تجارة المخدرات.
شاعر البلاط هو الإعلامي. العبد هو الموظف. رئيس العبيد هو الـ إتش آر. وخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام.
الأغاني كدا، على الأقل في مصر، من يوم ما قالوا يا غنا، فيه أنماط مختلفة حسب وظيفة الأغنية، والوسط اللي بـيتم إنتاجها فيه، وتقريبًا الأنماط هي هي، عمرنا ما كنا حاجة واحدة، ولا بـ ننتج حاجة واحدة، ولا بـ نستهلك حاجة واحدة.
أي حد بـ يغني في أي حتة، هـ تلاقيه امتداد أو تطور لـ ما سبقه، خلينا في المهرجانات، المهرجان دا، امتداد لـ"المولد"، المولد امتداد لـ النباطشي، النباطشي امتداد لـ امتداد لـ امتداد، ما أعرفش هـ نوصل فين، بس دي "أغاني الأفراح".

الفرح أو الزفة هي إيه؟، فكرة الزفاف كما أفهمها، هي إعلان من أهل راجل ما، وأهل ست ما، لـ جميع الأهالي التانيين جميعا، إنه الراجل دا أصبح من حقه معاشرة الست دي، وطبعا، أول وأهم مظاهر هذه المعاشرة، هي المعاشرة الجسدية.
الزفاف دا عامل كدا زي فكرة العيد، العيد نشأ بـ الأساس، كـ فترة زمنية استثنائية، مسموح فيها بـ مخالفة الأعراف والقوانين. الزفاف كمان كدا، نظرته لـ طبيعة المناسبة، فـ إنت بـ تتخلى عن "الحياء" و"الوقار"، وبـ تبقى "زفة".

أغاني الزفة من يوم ما اتعملت، تتميز بـ الصخب و"قلة الأدب"، طبعا الصخب نسبي، قلة الأدب نسبية، كل حاجة في الدنيا نسبية، فـ إنت لما بـ تتحلل "شوية" من سمتك "الاعتيادي"، بـ تروح حتة غير اللي بـ يروحها غيرك، حسب حاجات كتير.

لكن أكيد كلنا عارفين إنه أغاني الأفراح، وصلت في تراثنا العريق إلى مراحل عميقة من قلة الأدب، مافيش لزوم نقول وصلت فين، كلنا عارفين. إنما الكل يوم حفلة الزفاف، بـ يبقى حاجة تانية تختلف عن طبيعته.

مع الوقت، هـ يبقى فيه ناس "محترفين" لـ الزفة، زي ما كان فيه محترفين لـ العزا، أيون، كان فيه مهنة المعددة، اللي هي بـ تروح الجنازات والعزا، تصوت وتصرخ وتقول عديد، وده بـ يكون بـ أجر.

محترفو إقامة الزفة، وإعداد أغاني الزفة والفرح، لا يشترط فيهم ما يشترط في أنماط الغناء الأخرى، كل نمط له شروطه ومواصفاته، فـ أهم حاجة في مطرب الفرح، إنه يولعها، ويجيب من قعر الحلة، ويدرمغ الدنيا (ما ننساش إنه الدرمغة بتاعتك غير الدرمغة بتاعة غيرك).

محترفين الأفراح والزفة دول، هـ يبقوا فئة ومهنة، نشاطهم مش هـ يقتصر بس ع الأفراح، هـ يفتحوا أماكن، ييجي فيها الناس، يعيشوا جو الزفة أو الفرح، من غير ما يكون فيه زفة وفرح. أماكن، الناس يروحوا فيها ويتبسطوا ويهيصوا، وخلاص.

كل الكلام دا، ما كناش لسه ما وصلناش في الزمن لـ منتصف القرن الـ 19، حيث ينفع نرصد حاجات بـ عينها، وأسماء بـ عينها، ونقدر نشوف كل حاجة في سياقها، ونشوف اللي حاصل دلوقتي سببه إيه، بس قبل كدا، نشوف أساسا: هو إيه اللي بـ يحصل؟
إن كان لينا عمر نبقى نرصدها، فتكم بـ عافية.