رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 05 مارس 2021 الموافق 21 رجب 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
خالد عكاشة
خالد عكاشة

خليفة الظواهرى.. القاعدة وإشكالية القيادة (3)

الأربعاء 27/يناير/2021 - 08:29 م
طباعة
توقفنا في الحلقة السابقة من تلك السلسلة؛ عند نموذج قوي ثابت الأقدام على أراضي القرن الإفريقي الكبير، وهو الفرع القاعدي "حركة شباب المجاهدين" الذي نشأ في الصومال ومد جذوره فيها عبر سنوات الاضطراب والسيولة الكبيرة، ليتمدد لاحقا كي يصير أحد التنظيمات الرئيسية في صناعة التهديد بدول الساحل الشرقي لإفريقيا. مع مرور السنوات وتقلب وتعمق الأزمة الأمنية والتفكك الذي يضرب الدوائر الحيوية القريبة من تنظيم "حركة الشباب"، بدا أنه قادر على تقديم يد العون والمساعدة لآخرين ممن هم أبعد من تلك الدوائر، حيث بدا في بداية هذا العقد أن الفرع الشهير "القاعدة في جزيرة العرب"، والمستقر تاريخيا منذ نشأته باليمن التي أنجبت واحتضنت جبالها وتضاريسها الوعرة كافة قيادات هذا الفرع، يدخل مرحلة جديدة من تاريخه بعد سقوط نظام الرئيس علي عبدالله صالح، وهو ما لم يتأخر حينها في تقديم الإسناد والمساعدات اللوجستية والتسليحية لفرع "حركة شباب المجاهدين"، القابع على الساحل المقابل من بحر العرب والمحيط الهندي الفاصل بينهما.
فرع "القاعدة في جزيرة العرب" ظل منذ نشأته عام 2009 رقما مهما في صناعة القرار المركزي للتنظيم، خاصة بعد اندماج الفرعين اللذين تواجدا في كل من السعودية واليمن، واحتل عناصرهما من البداية مكانة بارزة في مجال التأصيل الفكري لأيديولوجيات "القاعدة"، وغيرها من تنظيمات التطرف والعمل المسلح. وشكل من الخطورة والتهديد ما جعل الولايات المتحدة تضع اليمن في بداية عقد الألفية باعتبارها، تأتي مباشرة في المرتبة التي تلي الدولتين اللتين كانتا تحتلان المرتبة الأولى وهي أفغانستان وباكستان. توى قيادة التنظيم في مرحلة التأسيس اليمنية، وأشرف ببراعة على عملية الاندماج التي نقلت التنظيم إلى مستوى متقدم، القيادي اليمني القاعدي "ناصر الوحيشي"، الذي شغل لسنوات في أفغانستان منصب السكرتير الخاص لأسامة بن لادن، قبل أن يغادرها في العام 2001 متوجها إلى اليمن ليجري اعتقاله ويقضي أعواما في سجن الأمن المركزي بصنعاء، وفي 2006 كان الوحيشي أحد الثلاثة والعشرين هاربا الأكثر شهرة وخطورة من السجن، بعد أسبوع واحد من إعلان الولايات المتحدة أن اليمن لم يعد يشكل تهديدا على أمنها القومي. أدرج في يناير 2010 بقائمة لجنة الجزاءات الأمريكية، تحت اتهام مشاركته في تمويل أعمال أو أنشطة يقوم بها تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب"، وحدد في 2014 مقابل رأسه مكافأة تماثل الرقم الذي قرر مقابل معلومات تساعد في إلقاء القبض على "أبوبكر البغدادي" زعيم تنظيم "داعش"، وهو (10 ملايين دولار) في دلالة على درجة خطورة الرجل ونشاطه الذي تطور على نحو كبير خلال سنوات قيادته للفرع القاعدي.
قتل "ناصر الوحيشي" في يونيو 2015 بغارة لطائرة مسيرة نفذتها القوات الأمريكية في مدينة المكلا عاصمة محافظة "حضرموت"، ليختار التنظيم "قاسم الريمي" القائد والمخطط العسكري البارز خلفا له في المنصب. الريمي وفق مسيرة نشاطه التنظيمي والعملياتي استوفى الكثير من المعايير الضرورية ليكون زعيما، وبرزت قدراته العسكرية التي صقلها في أفغانستان طوال عقد التسعينيات، لتمثل مفتاح المرور له بعد مشاركته في عملية الهروب التي تزامل فيها مع "الوحيشي"، كي يحول عناصر التنظيم إلى ما يشبه السرايا خفيفة الحركة وعالية القدرات. فقد ارتبط اسم الريمي بالعديد من العمليات التي احتلت صدارة العناوين الرئيسية داخل اليمن، من قصف مجموعات سياحية أجنبية إلى الهجوم على السفارة الأمريكية أواخر العقد الماضي، فضلا عن مئات العمليات ضد أهداف يمنية محلية. وبانتقال فرع التنظيم "القاعدة في جزيرة العرب" إلى هذا المستوى، صار له خارج اليمن ارتباطا إما بشكل مباشر أو عن طريق الاستلهام بالعديد من العمليات الإرهابية، حيث ظل الريمي طوال فترة قيادته حريص على بث الكثير من مقاطع الفيديو، رغم عدم تمتعه بالكاريزما والحس الفكاهي الذي غلف أحاديث سلفه الوحيشي، مما جعل الأخير أكثر شهرة لكن ظل بعد الاستلهام حاضرا في رصيد الريمي، بعدما ذاع على نحو واسع المقطع المصور له عام 2017 بعنوان "المجاهد المنفرد". حيث لا يزال هذا التهديد المستوحى منه قائما بشكل فعلي لدى عديد من الذئاب المنفردة في ربوع وبلدان العالم المختلفة، خاصة منذ أن درج التنظيم على عادة إبقاء القادة المتوفين لفرع "القاعدة في جزيرة العرب"، عبر إعادة نشر وتوزيع اللقطات المصورة الشهيرة وذات الدلالة الخاصة لهم.
في فبراير من العام 2020؛ أعلنت الولايات المتحدة عن تمكنت من قتل "قاسم الريمي" في عملية لمكافحة الإرهاب، لم تفصح عن تفاصيلها لكن ظل في الأغلب أنها وقعت بذات التكتيك الخاص بالطائرات المسيرة، الذي يسبقها عمل استخباراتي دقيق على الأرض يحدد ويتتبع القادة المطلوب الوصول إليهم، وهذا جرى بالفعل مع الريمي خلال الشهور التي سبقت مقتله. ليبدأ الفرع الذي شهد صعود وتغول ميدانيا كبيرا خلال الأعوام التي بدأت في 2009 واستمرت إلى نحو 2017، يشهد مراحل انحسار وتداعي ليست بالهينة خاصة وهي تتنامى حتى يتصور أن ذروتها، كانت مع مقتل الريمي العام الماضي. فالتنظيم يمر الآن بأسوأ مراحل ضعفه خلال عقدين من الزمن، فحلمه بإقامة دولة إسلامية في اليمن صار بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى. فالمشكلة الأبرز التي صارت تتهدد الفرع القاعدي هي بالضبط عنوان تلك السلسة، فتنظيم "القاعدة في جزيرة العرب"تكبد في أعوام قليلة خسارة القادة ذوي الكفاءات العالية، أغلبهم من المتمرسين المخضرمين الذين شاركوا في ساحات القتال الأفغاني حقبة التسعينيات، لتأتي الحملة الأمريكية الكبيرة لمكافحة الإرهاب التي نفذت مئات من الغارات الجوية والكثير من الجهد الاستخباراتي، لتساهم ليس فقط في استنزاف هذه المجموعة الرئيسية، بل تقوض بشدة قدرة التنظيم على تدريب الجيل القادم من الزعماء. ولعل نموذج تولي "خالد باطرفي" القيادة خلفا للريمي وما صاحبه من انشقاقات، يعد مثالا بارزا لهذا النوع من الإخفاق الذي صار ملازما للتنظيم، حيث يقوم بجهد كبير من أجل الحفاظ على رقعة صغيرة من الأرض بين قمم التلال الوعرة، تقع شمال غرب منطقة "البيضاء" بعد أن ظل لسنوات يتمتع بقدرات عالية للتوغل والسيطرة، وصلت في عام 2016 لإقامة شبه دولة كانت تحكم من ميناء "المكلا" الشرقي. وليدخل الفرع الشهير لدوامة المأزق الذي يضرب المركز القاعدي والفروع بعنف غير مسبوق، له علاقة بانحسار القيادات التاريخية فضلا عن استنزاف الكثير منها في الصراعات المحلية التي أحاطت بأماكن تواجد التنظيم، ليبقى بزوغ تنظيم "داعش" الخارج من رحمه والقادر على قراءة مواطن الخلل بوضوح، ممثلا لإشكالية اضافية له على طريق التنافس في ساحة الإرهاب العالمي.