رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الثلاثاء 02 مارس 2021 الموافق 18 رجب 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
أ.د. إلهام سيف الدولة حمدان
أ.د. إلهام سيف الدولة حمدان

التراث الشعبي.. وطنين المصالحة

الأحد 24/يناير/2021 - 04:52 م
طباعة
لا أحد منا ينكر الدور الذي يقوم به التراث الشعبي في كل البلدان من استقراء للحكمة واستخلاص الخبرات التي تستجلب من الغوص في بطون المجتمعات لجلبها وتوثيقها لتصبح فيما بعد دستورًا يضم سمات ترسم ملامح مواطنيها وترصد حكاياتهم وتجاربهم على مر الأزمان ليتوارثها الأجيال ويتمثلونها في سلوكياتهم ويتحاكون بالسير ويتغنون بالأغنيات الشعبية في المناسبات المفرحة أو الحزينة، ويتسامرون بالحكايات الشعبية، ويستخلصون دروسًا مستفادة من الأمثال والأقوال المأثورة التي تعينهم على اتخاذ قرارات حياتية في ضوء ما وقفوا عليه من هذا اللون الأدبي الأثير لدى الكثير منا.

ومن خلال تنوع مصادر حكايات التراث الشعبي في أحد البلدان العربية، التي ترددت كثيرًا، والشائعة تحديدًا في التراث الجزائري، وهي: حكاية "عمار الجايح"، وقصتها الجدات على مسامع الأحفاد نجدها تنفر من "الغباء"، من خلال محتوى الحكاية التي تقصها عليهم، فتحكى أنه كان هناك أرملة تعيش وحيدة مع ابنها اليتيم،البالغ من العمر ١٦ عامًا، وكانت تكد وتتعب حتى تنفق عليه وتحسن تربيته، ولكنه لم يكن عديم النفع، كان للفشل والغباء صديقًا، فأطلق الناس عليه "عمار الجايح"، وفي يوم أمنته على الدجاجة وفراخها من الصيصان ليعتني بها ويحميها من العقاب حتى لا يخطفها ويفترسها جميعًا أثناء غيابها عن البيت عند ذهابها لشراء الطعام، فقال لها: لا تخافي سأحرسهم جيدًا، وفور خروجها من المنزل.

قال: ماذا أفعل وأنا أشعر بالنعاس؟ سوف أذهب للنوم، ولكن الدجاجة والصيصان، ماذا أفعل ؟ آآآآه فكرة جيدة؛ سأربط الدجاجة مع الصيصان من قدمها بخيط واحد، وألقيها فوق سطح الدار، حتى أخبئها عن عين العقاب، وعندما تأتي أمي أنزلها لها بخير وسلامة، وبالفعل نفذ الأمر وخلد إلى النوم، وعند عودة الأم للمنزل سألته عن الدجاجة وصيصانها، فأجابها بالفكرة العبقرية التي خطرت على باله فأخذت تبكي، وتنوح، وقالت له: أنت جعلت العقاب يأخذ الجميع يعني بدلًا من أن تتركهم، ويأخذ صيدًا واحدًا، قدمت له الجميع في بعضهم البعض، وحرمتنا البيض! من أين سأعوض الدجاجة؟ وعندما رأوها الناس حزينة من أن ابنها قليل الحيلة وغبي أشاروا عليها أن تزوجه فيعيش مع زوجته، ويتعلم أن يكون ذكيًا، ويتعلم أسلوب الحياة في هذه الدنيا، فقررت أن تأخذه وتخطب له من قرية أخرى غير قريتهم حتى يقبلوا به زوجًا لجهلهم بغبائه، فأخذته وأوصته ألا يتحدث عند أهل العروس، وقالت له: لا تتحدث إلا عسلًا، أريدك أن تكون كالنحلة تنقط عسلًا من فمك، وذهبوا، وحدثت الكارثة عند أهل العروس، فحين سأله والد العروس كيف حالك ياعمار؟ يرد عمار: زززززززز، ماذا تعمل ياعمار؟ يزن ويطن طويلًا بـ: ززززززز، وهكذا كل كلامه مقلدًا النحلة، فقالت أمه: بضحكة خجولة مصطنعة مبررة له: إنه على استحياء وخجل. وحين بدءوا يتجاذبون أطراف الحديث تركهم ليذهب إلى الحمام، فرأى عند عودته النساء تدهن في السمن للطعام، فأخذ يضع من الدهان في عباءته التي يرتديها، ويخبئ الدهان في صدره عند الحزام، وعندما عاد مع أمه للمنزل قال لها: أحضرت لك الدهان!

لا أدري لم استحضرت هذه الحكاية تحديدًا وأنا أفكر فيما تردده وتزن به وتطن مثل "عمار الجايح" بعض الآراء حول المصالحة مع الجماعة الإرهابية مرة تلو المرة، بطنين غباء واستهانة في آن معًا مسببين الحرج لقيادتنا السياسية التي تقف على رأي الشعب الرافض، فهناك من يرى أن مصر لا يمكن أن تتصالح مع أبنائها لكون المصالحة تقع مع الأجنبي لو نشأ نزاعًا، لكن أبناء الوطن المسالمين لا خصومة بينهم وبين بلدهم، والسؤال كيف نعدهم أخوة لنا ومن بني وطننا وهم لا يعترفون بوجود الأوطان أصلًا؟! وهل لا نجد حلولًا أخرى ناجعة تخلصنا من مأزق وجودهم في أجوائنا وأرجائنا واندساسهم وسط جموعنا بقناع الطيبة المزيفة التي تحاكي تدينهم المزعوم الذين يوظفونه لخدمة أطماعهم للوصول إلى سدة الحكم، يقينًا الدين منهم براء ومن أفعالهم الشنعاء التي ذاق مرارتها القاصي والداني، إن حفظ الأمن القومي المصري يأتي في مقدمة أولويات الرئيس عبدالفتاح السيسي والحكومة وقواتنا المسلحة والشرطة، وهؤلاء الإرهابيون المتلفحون بعباءة الدين ويخفون خنجر الخيانة لرشقه في ظهورنا خطر لو تعلمون عظيم لو أمنا مكرهم، ليس علينا فقط بل على العالم أجمع ففكرهم الإرهابي يهدم ولا يبني، وبه يجتذبون شبابنا أزاهير المستقبل ويستقطبونهم ليصبحوا وقودًا يشعلون به الفتن ويوسعون به دوائر اللهب والقتل والدمار، إلى متى سنظل نستمع إلى هذه النغمة النشاز(المصالحة)؟!

منتهى أملي أن يتم حذف هذه المفردة تمامًا من قاموسنا السياسي مع عدو لا يحترم عصمة الدماء ولا يعي معنى كلمة وطن التي يعيها كل مصري حقيقي على أرض البسيطة، مثلما يعي تعاليم دينه الحنيف بعيدًا عن ثعالب السلطة وكلاب العثمانلية المسعورين المطلقين علينا للقضاء على استقرار أصبحنا ننعم به، ونحمد الله عليه، وعلى إرساله لزعيم مخلص أخذ بيد مصر وشعبها إلى بر الأمان، وما زال يواصل طريق التشييد والبناء ويعلي من إنجازات المصريين ويثمن جهودهم في مساندته بلفظ دعاة التشرذم والشتات طريقًا لنبذ العنف لحماية المكتسبات التي ضربت كل المكائد في مقتل.. أبدًا لن تكون مصر أُمًا لمثل هؤلاء بل هيهات! عاشت مصر عصية أبية!

أستاذ ورئيس قسم الإنتاج الإبداعي بأكاديمية الفنون