رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأحد 24 يناير 2021 الموافق 11 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
جمال طه
جمال طه

كيف واجهت مصر عدائيات سد النهضة؟

الخميس 03/ديسمبر/2020 - 07:53 م
طباعة

المقالات الثلاثة الأولى من سلسلة «مصر وتهديدات دول الأطراف» تعلقت بتركيا.. المقال الأول رحلة الأتراك من الإستبس للأناضول، وأطماعهم الإقليمية، الثانى عقدتهم التاريخية من الجيش المصرى، والثالث الجيش المصرى ومعارك تأديب الجيش التركى. انتقلنا فى المقال الرابع إلى مخاطر إثيوبيا على أمن مصر القومى، واستعراض التاريخ الطويل من كراهية الأحباش لمصر، وتمحور كل مظاهر العداء والكراهية حول «سد النهضة»، ولكن كيف تعاملت مصر مع عدائيات «سد النهضة»؟!.
سد النهضة «مشروع عدائى» ناتج عن عمل البعثات العلمية التى نفذها الباحثون الأمريكيون بتمويل من المخابرات المركزية عقب تأميم قناة السويس ١٩٥٦، ردًا على لجوء جمال عبدالناصر إلى الاتحاد السوفيتى، لتمويل بناء «السد العالى» وتسليح الجيش.. المقترح الأمريكى ١٩٦٤ تضمن إنشاء «سد النهضة» وثلاثة سدود إضافية مكملة «كارادوبى، بيكو أبو، ماندايا»، لتصل سعتها الإجمالية إلى ٢٠٠ مليار متر مكعب، ما يحقق السيطرة على كل واردات المياه الصادرة من منابع النيل الأزرق، عقابًا لمصر على تشييد السد العالى الذى عارضت إثيوبيا بناءه رسميًا، رغم أنه لا يؤثر عليها.. إثيوبيا اضطرت لوقف المشروع بعد رسالة عبدالناصر الحازمة، بأن مصر تعتبر المشروع «تهديدًا للحياة، مما يستدعى تحركًا مصريًّا غير مسبوق».. بعد تبوأ ميليس زيناوى السلطة ١٩٩١، أصبحت إثيوبيا الحليف الاستراتيجى الأول لأمريكا فى مواجهة جماعات التطرف والإسلام السياسى فى القرن الإفريقى، فقررت تنفيذ المشروع فى موقعه الحالى عام ٢٠٠٩.. تسريبات ويكيليكس أكدت تلقى زيناوى معلومة استخباراتية حول استعداد مصر لقصف موقع «السد»، ما يفسر اتهامه القاهرة بالتخطيط للحرب أواخر ٢٠١٠.
كبرى إشكاليات «سد النهضة» تتمثل فى تباين موقف الدولة المصرية منه؛ «مبارك» هدّد بتدميره.. المجلس العسكرى بعد ٢٠١١ شغلته أولوية الدفاع عن تماسك الدولة المصرية، وسلامة مؤسساتها ضد من اعتزموا إسقاطها.. الإخوان زايدوا عليه، وشنّ مرسى «حرب أتارى» من غرفة عمليات «الرئاسة».. الرئيس «السيسى» تفهم أبعاده الاستراتيجية بعمق، لكنه حرص على ألا تنعكس إدارته الأزمة سلبًا على محاولات العودة إلى الأشقاء الأفارقة بعد سنوات غياب، ما يفسر رصانة التعامل وطول النَفَس.
إثيوبيا وضعت حجر أساس السد ٢ أبريل ٢٠١١، أول رد فعل مصرى تجاهه كان زيارة وفد ما يسمى «الدبلوماسية الشعبية» لأديس أبابا فى ٢٩ أبريل، نسقها أحد المستثمرين المصريين، أصحاب المصالح فى إفريقيا!!.. زيارة لم يتم الإعداد لها جيدًا، لأن الدولة كانت غائبة بسبب نجاح الفوضى فى الإطاحة بالرئيس مبارك، وشل مؤسسات السلطة، الوفد ضم ٨٤ عضوًا من مختلف القوى السياسية والحزبية والشخصيات العامة وعددًا من عناصر ائتلاف شباب الثورة، لم يتساءل أحدهم عن الهدف من الزيارة، هل لاستنكار بناء السد؟! أم للمطالبة بضوابط بناء تحول دون الإضرار بمصالحنا؟!.. فى غياب التخطيط وضياع الهدف، نجحت إثيوبيا فى توظيف الزيارة لصالحها.. صور تضامن أعضاء الوفد مع قادة إثيوبيا غطت الفضائيات والصحافة العالمية، لتوحى- بالخطأ- بموافقة مصر بكل أطيافها على بناء السد!!.
محمد مرسى عيّن هشام قنديل وزير الرى رئيسًا للوزراء، بدعوى كفاءة إدارته ملف السد!!، لكنه فور مغادرته أديس أبابا بعد زيارته الرسمية نهاية مايو ٢٠١٣، قامت بتحويل مجرى النيل، وشرعت فى البناء.. مرسى دعا إلى جلسة حوار وطنى لبحث تداعيات القرار الإثيوبى، شارك فيها ممثلو القوى السياسية وقيادات المعارضة، وتم بثها على الهواء مباشرة، مدعيًا أن ذلك تم بالخطأ!، البعض اقترح التلويح باستخدام القوة، وأوصى الآخر بالتدخل فى الشئون الداخلية لإثيوبيا ودعم جبهتى تحرير أورومو وأوجادين، بينما نصح الثالث بالاستعانة بالمخابرات لهدم السد، ورأى الرابع أهمية العمل على بث الشائعات.. ما حدث فى ملابساته كان مدعاة للسخرية، لكن إثيوبيا ترجمته لمختلف اللغات ووزعته على الفضائيات ووكالات الأنباء العالمية، لتضع مصر فى موقع الإدانة.. ما حدث كان أحد فصول عبث الإخوان، وهو لا يمت بأدنى صلة لقيادة الدولة ولا إدارة الأزمات.
الصحافة المصرية كشفت فى يونيو ٢٠١٣، عن أن إثيوبيا رفضت مبادرات حوار مع مصر، وأرسلت مع بعض الوسطاء تهديدات بشن حرب ضدها.. أحد كبار الضباط فى الجيش الإثيوبى أكد على الفضائيات أنه بعد ما قيل فى الحوار الوطنى، الذى قاده مرسى بسذاجة غير مسبوقة، «لن يكون هناك حوار مع مصر، وقد وجهنا بعض الصواريخ طويلة المدى إلى جنوب مصر استعدادًا لأى تحرك عسكرى»!!، وأكد أن «المصريين يعتبرون أننا دولة فقيرة، وليس لدينا جيش، ولكن بمساعدة إسرائيل لدينا جيش قوى، وسوف نرى من يفوز!!.. العداء الأعمى وسذاجة إدارة الأزمة من الجانبين تسببا فى قصف متبادل دون أى حسابات سياسية، ما استغلته إسرائيل فى الصيد بالماء العكر.
بعد تخلص مصر من حكم الإخوان، وبدء استعادة مؤسسات الدولة حيويتها، كان مطلوبًا إشغالها لإتاحة الفرصة لاستكمال السد.. إحدى الشركات العاملة فى الكونغو قدمت مقترحًا بنقل ١١٠ مليارات متر مكعب من المياه من نهر الكونغو إلى نهر النيل عبر النيل الأبيض جنوب السودان.. رئيس مجلس إدارة الشركة مهندس مصرى تربطه بالرئيس جوزيف كابيلا علاقات صداقة، رسَّم نفسه رئيسًا للمشروع، افتتح صفحة رسمية على «فيسبوك»، تعمد تشتيت المسئولية بين وزارات الرى والبترول والخارجية وهيئة المساحة الجيولوجية و«جهات سيادية»، ادّعى أن كل الدراسات والخرائط والمستندات الخاصة بالمشروع تم تسليمها لهذه الجهات، متضمنة مدة التنفيذ «٣٠ شهرًا»، وتحديد مصادر التمويل، دون تحميل مصر أى أعباء!!.. صحف الكونغو والسودان نشرت موافقات «غير رسمية» على المشروع، وإثيوبيا روّجت إعلاميًا للمشروع، مؤكدة أنه يحقق لمصر وفرة مائية لا موضع بعدها لأى شكاوى تتعلق بسد النهضة.. وكأن المشروع يوفر لها سبل الهروب من أى مسئولية تجاه دولتى المصب.
أشهر عديدة مرت قبل أن تعلن وزارة الرى المصرية عن رفضها الرسمى المشروع، بسبب عواقبه الوخيمة، ومخالفته الأعراف الدولية.. حجم المياه المنقولة كفيل بإغراق السودان، لأنه يفوق طاقة استيعاب مجرى نهر النيل بكثير.. المسافة بين الكونغو وجنوب السودان فيها نسبة ميل عكس اتجاه المياه، ما يتطلب شق مجرى النهر فى الصخور النارية ذات الصلابة العالية، وتركيب محطات رفع، وبناء ١٨ سدًا، ومد ٥٥٠ ماسورة بقطر ٢ متر، وبطول ٦٠٠ كم.. التكلفة التقديرية للمشروع ٣٠ مليار دولار، بخلاف التكلفة السنوية للتشغيل.. المشروع أقرب للخيال العلمى، لكنه أدى دوره فى استهلاك الوقت، وزعزعة موقفنا فى معركة «سد النهضة».
إثيوبيا فى مماطلاتها خلال المفاوضات راهنت على بعض مؤشرات ضعف التنسيق وتبادل المعلومات التى لمستها فى الماضى بين الجهات المصرية المعنية بالمتابعة.. فبعد إعلانها الرسمى افتتاح سد «تانا بليس» مايو ٢٠١٠، رفع الجيش المصرى درجة الاستعداد، والخارجية استدعت السفير للاحتجاج والاستفسار، والمخابرات تحركت للتأكيد والمتابعة، ليتبين أن طاقته التخزينية بالغة التواضع «٧» مليارات متر مكعب، وأن بناءه استغرق ست سنوات!!، ولم يختلف التعامل مع «سد تكزى»، الذى يرتفع إلى ١٨٨ مترًا، وطاقته «١٠» مليارات.. وخلال المفاوضات الثلاثية المتعلقة بسد النهضة بدأنا برفض بناء السد، ثم وافقنا على المخطط القديم، بارتفاع ٨ أمتار، وطاقة تخزينية ١٤ مليار متر مكعب، وانتهينا إلى التسليم بحق إثيوبيا فى البناء، ووزير رى مصر قام فى خضم الأزمة بتفقُّد السد فى سبتمبر ٢٠١٤!!.. مراجعة الذات أكبر ضمان لتجنب تكرار الأخطاء.
كيف انعكست مظاهر العداء الإثيوبى لمصر على «سد النهضة»، سواء فى الفكرة، أو التصميم، أو الأهداف.. هذا ما سنتناوله فى الجمعة المقبل إن شاء الله.