رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 23 يناير 2021 الموافق 10 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

فركة أنف

الأحد 29/نوفمبر/2020 - 03:12 م
جريدة الدستور
أحمد الخميسى
طباعة
«مختار» ابن عمنا بدين ضخم الجثة، جمجمته ووجهه كبيران، أو هكذا كان يبدو لنا فى طفولتنا، كفاه أيضًا غليظتان، يجلس ويقهقه بصوت عالٍ فتترجرج طيات لحمه كأنها تصوير لحركة صوته.. كان يزورنا بانتظام بعد وفاة والدى كل يوم جمعة لأننا أبناء عمه اليتامى.. يوم الزيارة نحوم حول الباب قبل موعد حضوره، فإن كنا فى الصالة فإننا نرهف سمعنا لصوت الجرس، متأهبين للهرولة فى الردهة نحو الباب.. يدق الجرس، نجرى ثلاثتنا ونتدافع لنفتح له، يظل عم مختار واقفًا فى فتحة الباب حتى ينتهى من التربيت على رءوسنا، يدخل وبيده دائمًا إما كيس موز أو برتقال علاوة على قطع الحلوى الصغيرة التى نعلم أنه يخفيها فى جيب جاكتته.. تنهض أمى واقفة فى الصالون لاستقباله، يضغط يدها بين كفيه ويسألها بصوت حذر كأنه يستجلى سرًا: «أخباركم كويسة الحمدلله؟». يجلس ونحن واقفون نتطلع إليه.. كفوفنا مفرودة على ركبتيه إلى أن يدس يده فى جيب الجاكتة، يُخرج قطع الحلوى ويناول كلًا منا واحدة.. كنا نناديه «عم مختار» ليس لأنه عمنا ولكن لفارق السن، فقد كنت أنا فى الثامنة وإخوتى أصغر منى وهو رجل كبير. بعد توزيع الحلوى يتفنن عم مختار فى إضحاكنا بالنكات ويضحك لها قبل أن تنتهى.. يشرب الشاى ويلقى نظرة على أمى وهى منصرفة إلى شغل تريكو، ثم يتحفنا بفوازير على قدنا مثل: «يأتى من بعيد بالطبل والزغاريد، فما هو؟». نخمّن ونتخبط فى الإجابات ونسأل أمى فترفض التدخل، ونوقن بأننا فشلنا فى الوصول إلى حل الفزورة، فنقول له: «غلب حمارنا»، ويتضح أنه القطار.. بعد وقت يقف عم مختار ويستأذن لينصرف، أودعه بالامتنان لأنه كان يبهجنا فى الجو القاتم الذى خيّم علينا بعد غياب والدى.
ذات مساء جاءنا حاملًا بطيخة كبيرة أقسم أنها «حمراء مسكّرة»، جلس فى الصالون وأمى على مقعد فى مواجهته، تحلّقناه كالعادة، فخصنى هذه المرة بكلامه: «تعال هنا يا يحيى»، ألصقت بطنى بركبتيه أتطلع إليه.. للمرة الأولى يرسم عم مختار الجدية على ملامحه كأنه مقدم على عمل خطير، نظر فى عينىّ مباشرة، شعرت برهبة، فالتفتُّ إلى أمى، رأيتها تبتسم فعدت بوجهى ناحيته، قطب وجهه، مد ببطء سبابته وإبهامه وقبض على طرف أنفى، وفى الصمت المشوب بحيرتى وتوترى فرك أنفى فركة خفيفة سريعة، مرة ثم أخرى، تمهل لحظة، ثم أنزل كفه إلى مستوى بصرى وفتحها أمامى، فرأيت فى راحته ثلاث قطع معدنية من النقود تلمع بنور فضى! تعلقت عيناى براحته ولبثت مدهوشًا حتى إنى لم أمد أصابعى لألتقط القطع التى كانت تلمع، خطر لى أن النقود هبطت من أنفى أنا فسألته: «هل هى لى؟»، خبط بيده على كتفى وقال بصوته الغليظ: «لك يا بطل»، ودسّ القطع النقدية فى جيب قميصى العلوى، لكنى كنت مبهوتًا من إمكانية تحقيق كل الأمنيات بفركة أنف.. رجوته: «مرة أخرى يا عم مختار والنبى»، جذبتنى أمى من ذيل قميصى إلى الخلف وصاحت: «خلاص.. السحر مرة واحدة بس.. خلاص».. نقلت بصرى مصدومًا بينها وبين عم مختار وقلت: «وماذا سيكلفه القيام بذلك؟»، ابتهلت إليه من جديد: «مرة أخرى يا عم مختار»، ابتسم ناهضًا: «يوم الجمعة القادم»، قلت: «طيب، علمنى كيف أفعل ذلك، لكى لا أتعبك فى شىء»، قال وهو يضرب ساق بنطلونه بيده: «حين تصبح كبيرًا ستعرف كل شىء»، اتجه عم مختار إلى باب الشقة وأمى تسير خلفه وهى تردد: «نوّرتنا».
لم أنم تلك الليلة، ظللت أتقلب على السرير، لم أنعس وكنت أتساءل بحيرة: لماذا استخسر عم مختار الكشف عن سر اللمسة السحرية؟ الفلوس فى كل الأحوال لم تكن من جيبه بل من أنفى أنا! ولو أنه أظهر لى السر لاقتنيت كل ما أحلم به، دراجة، قمصانًا، مضارب كرة، نظارة شمسية.. وعندما تسرب نور الفجر إلى الحجرة سقطت مرهقًا فى النوم وسحابة تقطر مرارة على أحلامى.
طالبت عم مختار بعد ذلك عدة مرات بإلحاح بأن يمكننى من سر السحر بلا جدوى، كان يبتسم ويقول: «قريبًا.. قريبًا.. ليس الآن»، لكنه اختفى من حياتنا تمامًا بعد عدة أشهر، وكنا نسأل أمى عنه فتكتفى بالقول إنه سافر، ولا تضيف كلمة أخرى.. هكذا توارت فركة الأنف السحرية، وبدت بعيدة المنال، لكن نورها لم يفارق أحلامى.. مرت شهور، وحين فقدت الأمل تمامًا فى ظهور عم مختار، رحت أسأل أمى عن سر الفركة السحرية وأرجوها أن تكشفه لى، وكنت أقسم لها أننى لن أسىء استخدام السر، ولن أكون مبذرًا، فقط أحصل على الأشياء الضرورية.. لكنها ذات ليلة وقد ضجرت منى قالت لى وهى تنظر فى عينىّ مباشرة: «أى سحر؟ تلك كانت لعبة، كان عمك مختار يخفى النقود فى ظاهر كفه فلا تراها، ثم يسقطها فى راحته ويظهرها لك، لست صغيرًا فافهم، لا يوجد سحر».. لكنى كنت أستقبل حديثها بنفس مسدودة موقنًا أنه السحر.
عدت ذات يوم من المدرسة، وأردت أن أقلّم أظافر يدىّ الطويلة بعد أن وبخنى المعلم، فسألت أمى عن مقص للأظافر، قالت لى: «فى الكومودينو المجاور لسريرى مقص صغير»، قصدت حجرة نوم أمى، كان الشباك مواربًا وضوء المغرب يتسرب إلى الحجرة ضعيفًا ويرقد باهتًا على ملاءة سرير أمى، جلست على الأرض أمام الكومودينو وفرشحت رجلى لأكون براحتى وأنا أفتش عن المقص، دسست أصابعى فى جوف الكومودينو أحركها فى أرضيته بحثًا عن المقص، فكانت تصطدم بمظروف ورقى منتفخ، جذبته إلى الخارج، وضعته على حجرى، فتحته فى الضوء الباهت فإذا به مكتظ بصور عائلية قديمة، من بينها صورة أمى وهى جالسة على كرسى وأبى واقف خلفها، وفجأة انزلقت إلى أمامى صورة عم مختار، لكنه كان مختلفًا عما عرفته، كانت عيناه مفتوحتين بقوة، ذراعه مرفوعة فى الهواء، إبهامه يلامس سبابته لمسة خفيفة كأنه يفرك بينهما شيئًا ما، وبين إصبعيه تجمد شلال يضوى بالنقود، رفعت عينى حائرًا إلى عم مختار، فرأيته يستحثنى بعينيه بلهفة وتصميم أن أغمس إصبعى فى الشلال المتجمد، استجمعت أحلامى ورفعت يدى بحذر وأمل نحو الشلال، مددت طرف إصبعى إليه، لمست الضوء الباهر الساكن، فتدفق الشلال منهمرًا على صدرى وفى حجرى، وطوقتنى حلقة من نور مريح، دار رأسى من الفرح وأغمضت عينىّ لأحفظ السر فى خيالى.