رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 27 نوفمبر 2020 الموافق 12 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.مينا بديع عبدالملك
د.مينا بديع عبدالملك

الشيخ محمد بخيت المطيعى.. رجل مواساة الفقراء

الجمعة 30/أكتوبر/2020 - 06:36 م
طباعة

محمد بخيت حسين المطيعى الحنفى «١٨٥٤م - ١٩٣٥م» الصعيدى، ثم القاهرى، الفقيه المُفّسر الأصولى المنطقى الفيلسوف المحقق المدقق.
وُلد فى القطيعة «بالقاف» مركز أسيوط بصعيد مصر، وهو الذى غيّر اسمها إلى المُطيعة «بالميم» تفاؤلًا فاشتهرت بذلك، وعائلته على المذهب المالكى، وهو أول من تحنف منهم.
التحق بالجامع الأزهر لطلب العلم وهو صغير السن، واجتهد فى طلب العلم وكان ذا فكرة وقادة، وذهن ثاقب وحفظ جيد، فبرع فى العلوم العقلية والنقلية، وتقدم على أقرانه، واشتهر ذكره وذاع صيته ووقع عليه الإقبال من الناس، وتوظف فى وظائف القضاء فى مصر ثم فى الإسكندرية، ثم عُين عضوًا فى المحكمة الشرعية، ثم محكمة الاستئناف فى الإسكندرية، ثم عُين بمنصب المفتى فى الديار المصرية، وكان مواظبًا على التدريس حتى فى فترة الوظيفة، حتى إنه لما كان موظفًا فى الإسكندرية وبينها وبين القاهرة أربع ساعات فى سكة القطار الحديد، كان يحضر كل يوم منها إلى القاهرة لإلقاء الدرس، ثم يعود إليها.
وتتلمذ على يد كبار الشيوخ فى الأزهر وخارجه، وكان منهم الشيخ محمد عليش، وعبدالرحمن الشربينى، والشيخ أحمد الرفاعى المالكى المتوفى عام ١٣٢٥ هـ، وأحمد منة الله، والسقا، ومحمد الخضرى المصرى، وحسن الطويل، ومحمد البهوتى، وعبدالرحمن البحراوى، ومحمد الفضالى الجرواتى، والسيد جمال الدين الأفغانى، وغيرهم، وكذلك التقى بديع الزمان سعيد النورسى.
نال شهادة العَالمية من الدرجة الأولى فى عام ١٢٩٤هـ، وأنعم عليه بكسوة التشريفة من الدرجة الثالثة مكافأة له على نبوغه وفضله.
كان فضيلته نابغة عصره وإمام دهره، ووسم بأنه حلال المشكلات ورجل المعضلات، وكان مبرزًا فى علم الأصول واستنباط الأحكام الشرعية، وكان شديد التمسك بالحق ينسى مصالحه الخاصة فى سبيل نصرة الحق، وكان لا ينقطع عن تدريس العلوم الشرعية النقلية والعقلية لطلبة العلم الشريف فى أى مكان حلَّ فيه، وقد درَّس الكتب المطولة فى علوم التفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والتوحيد والفلسفة والمنطق وغيرها.
كان «المطيعى» ذا خلق حسن، سهلًا فى التدريس، واسع الصدر جدًا، يتحمل من الطلبة كثرة السؤال مع خروج بعضهم عن الموضوع، وربما بقى الطالب يجادله ساعة حتى يذهب الدرس كله فى الجدال والأخذ والرد، وهو لا يتكدر ولا يتألم، متواضعًا مع الطلبة ويمازحهم فى الدرس، وكان حلو النادرة مقبول الفكاهة، لا تمر به طرفة فيسكت عنها أصلًا، حتى اشتهرت طرائفه بين الناس، وكان محبًا للطلبة الغرباء ميالًا إليهم، بحيث لم يكونوا يقبلون على غيره، إذا لم يروا صدرًا رحبًا معهم سواه، حتى كان آخر أيامه لا يعمر درسه إلا الأغراب من الأتراك والهنود والعراقيين والأكراد وغيرهم. وكان يواسى الفقراء والطلبة الأغراب ويمدهم بالمال ويساعدهم، ويترددون على بيته فيجالسهم فى مجلسه ويحسن إليهم، وقد تخرج على يد فضيلته كثير من أفاضل العلماء الذين نفعوا الناس بعلمهم، وقد وصلت طبقات مَن تخرج عليه من الطلبة إلى الطبقة الرابعة أو بعدها، وممن تخرج عليه السيد عبدالله بن الصديق الغمارى، والشيخ عبدالوهاب عبداللطيف، الأستاذ السابق بكلية الشريعة وغيرهم.
كان يكثر من مطالعة الكتب الأجنبية المترجمة وكتب المعاصرين ويقرأ من الصحف الأجنبية والمحلية، كما كان يقتنى الكتب بكثرة، ويدفع فيها الأموال الطائلة، حتى جمع مكتبة ضخمة، وكان عضوًا بلجنة الخمسين «٥٠» التى وضعت دستور ١٩٢٣، وهو أول من اقترح إضافة المادة الخاصة بأن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع.
وكان له دور فى صدور قانون تقاعد مفتى الديار المصرية عند سن الستين، حيث إن بعض الأغنياء قد بنى مسجدًا وأوقفه لله، فاحتاجت الحكومة موضع هذا المسجد، فاستفتت مفتى الديار المصرية الشيخ المطيعى، فقال لهم: «إذا وافقكم ربه فلا مانع»، فكلموا ذلك الغنى فوافق، فرجعوا إليه ليصدر فتواه، وقالوا له إن ربه قد وافق، فقال ومَن ربه؟ قالوا: فلان الباشا، قال: ليس هو صاحبه الآن، فإنه أوقفه لله، وصار لله تعالى، فهو ربه الذى قلت لكم إن وافقكم فاهدموه.
وهذه الحادثة هى التى كانت سببًا فى عزله من الإفتاء، فإن رئيس الوزراء وقتئذ، وهو نسيم باشا، قال فيه كلامًا فبلغه، فقال الشيخ: نحن لا نعبأ بكلام العيال أو نحو هذا، فبلغت إلى الوزير، فقال: سوف يعلم من العيال، فاجتمع بمجلس الوزراء وأصدر قانونًا يقضى بإحالة المفتى على المعاش إذا بلغ السن القانونية، وكان المفتى غير داخل فى هذا القانون قبل ذلك، فلما صادقت الحكومة على هذا القرار، وكان هو قد جاوز السن المقررة عُزل وأحيل إلى المعاش.
ومن أقواله: جواز تولى السلطة شخص غير مسلم فى بلد مسلم فى رسالتهِ «إرشاد الأمة إلى أحكام الحكم بين أهل الذمة».
ومن مؤلفاته: شرح جمع الجوامع فى أصول الفقه، إرشاد العباد إلى الوقف على الأولاد، القول الجامع فى الطلاق البدعى والمتتابع، إرشاد الأمة إلى أحكام الحكم بين أهل الذمة، حاشية على شرح الدردير على الخريدة فى علم الكلام، الكلمات الحسان فى الأحرف السبعة وجمع القرآن، أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام، حل الرمز على معنى اللغز، الدرر البهية فى الصلاة الكمالية، إزاحة الوهم وإزالة الاشتباه عن رسالتى الفونوغراف والسوكرتاه، الفتاوى الفقهية فى أربعة مجلدات، الأجوبة المصرية عن الأسئلة التونسية، حيث أجاب فيها عن أسئلة وردت إليه من الشيخ محمد العروسى السهيلى الشريف المتطوع بالجامع الأعظم بتونس، القول المفيد على وسيلة العبيد فى علم التوحيد، رسالة فى الآيات الكونية والعمرانية، البدر الساطع على جمع الجوامع، فى أصول الفقه، أحسن القرا فى صلاة الجمعة فى القرى، إرشاد أهل الملة إلى إثبات الأهلة، الكلمات الطيبات فى المأثور عن الإسراء والمعراج، متناول سبيل الله فى مصارف الزكاة، الدرارى البهية فى جواز الصلاة على خير البرية.
وبعد أن أكمل رسالته على خير وجه توفاه الله فى عام ١٩٣٥م.