رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 27 نوفمبر 2020 الموافق 12 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
صفاء النجار
صفاء النجار

لماذا نحب؟ «1-2»

الجمعة 30/أكتوبر/2020 - 06:35 م
طباعة

من أقوى القصائد التى تصف حالة الوقوع فى الحب ما قاله شاعر من هنود الكواكتل فى جنوب ألاسكا لبعثة تبشيرية فى عام ١٨٩٦.
يقول الشاعر: «حريق يخترق جسدى مع ألم حبى لك، ألم يخترق جسدى مع نيران حبى لك. الألم وكأنه يغلى على وشك الانفجار مع حبى لك، تلتهمه نيران حبى لك، أتذكر ما قلته لى. أفكر فى حبك لى، يمزقنى حبك. ألم ومزيد من الألم، إلى أين يأخذنى حبك؟ قلت لك أن تذهب من هنا. قلت لك أن تتركنى هنا. جسدى مشلول من الأسى. أتذكر ما قلته، يا حبيبى وداعًا، يا حبيبى وداعًا».
هذه الحالة التى حيرت المفكرين والفلاسفة على مر العصور، وجعلت الحب موضوعًا للتحليلين الفلسفى والاجتماعى وغيرهما من الجوانب، دفعت عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية الشهيرة «هيلين فيشر» (١٩٤٥) للقيام مع اثنين من زملائها العلماء بالعديد من التجارب على مدى عقود لدراسة ظاهرة الحب من الناحية العقلية، لتقدم إجابات لتساؤلات محيرة: لماذا نحب؟ لماذا نحب شخصًا دون الآخرين؟ لماذا نتألم عند فراق من نحب؟
بدأت «هيلين فيشر» بمحاولة لتفسير ماهية الحب الرومانسى بالعودة إلى الأبحاث النفسية الخاصة بموضوع الحب فى الـ٤٥ سنة الأخيرة. ووجدت أن هناك مجموعة من الأشياء الخاصة جدًا تحدث عندما تقع فى الحب، وأول شىء يحدث هو ما نسميه «المعانى الخاصة»، فعندما نحب تتولد لدينا مجموعة خاصة من المعانى تجاه من نحب، ويصبح من نحب، وكل ما يرتبط به هو، مركز الكون بالنسبة لنا.
يقول الكاتب البريطانى برنارد شو: «إن الحب يكمن فى المبالغة فى تقدير الاختلافات ما بين امرأة وأخرى»، ليس فقط المبالغة، لكن هناك أيضًا تكثيف الطاقة كما يقول أحدهم: «لقد شعرت وكأنى أقفز فأصل للسماء».
تظل مستيقظًا طوال الليل، وتظل تسير حتى بزوغ الفجر تشعر بأنك فى قمة الابتهاج طالما الأمور تسير على ما يرام وينحرف المزاج ليصل إلى أفظع حالات الإحباط عندما تسوء الأمور، اعتماد تام على هذا الشخص، وكما قال لى رجل أعمال من نيويورك: أى شىء يعجبها يعجبنى بسيط، الحب الرومانسى فى منتهى البساطة، وما نفعله فى الواقع، أننا عندما نحب شخصًا ما ننحى ما لا يعجبنا عنه، ونركز فقط على ما يعجبنا، وهذا هو التفسير لمقولة الشاعر تشوسر: «إن الحب أعمى».
توضح «هيلين فيشر» أن السمة الأساسية للحب الرومانسى تكمن فى الرغبة الملحة، رغبة ملحة لكى تكون مع شخص بعينه، ليس فقط جنسيًا ولكن عاطفيًا، إلى جانب خصائص رئيسية أخرى مثل: التحفيز، فالقوة المحركة فى المخ تدخل فى حالة من الهوس للتأكيد أنك تريد هذا الشخص، ففى تجربة فيشر كانت تسأل المبحوثين كل أنواع الأسئلة، ولكن أهم سؤال كان دائمًا هو: ما هى نسبة الوقت التى تقتطعها من نهارك وليلك لتفكر فى هذا الشخص؟ فى الواقع كانوا يقولون طول النهار وطول الليل، أنا لا أستطيع أبدًا أن أتوقف عن التفكير فيه أو فيها.
وما أثار دهشتها هو إجابتهم القاطعة على سؤالها الأخير: هل ستموت من أجله أو لأجلها؟ فى الحقيقة هؤلاء الناس كانوا يجيبون بنعم!
لذا قامت «فيشر» وفريقها بفحص مخ المحبين وهم ينظرون إلى صورة عشاقهم وفحصتها وهم ينظرون إلى صور عادية، ووجدوا أن نشاطًا يزداد فى مناطق كثيرة بالمخ عندما ينظرون لصور من يحبون، وهى المناطق نفسها التى تنشط عندما يتناول الإنسان الكوكايين، فالحب بالفعل مثل الإدمان.
فالحب الرومانسى ليس بانفعال، لكنه سلسلة من الانفعالات التى تتأرجح ما بين أعلى وأضعف حالاتها، والحب هو قوة دفع مصدرها القوة المحركة بالمخ، هذا الجزء بالمخ الذى يرغب ويتوق شوقًا للحصول على ما نرغب فيه.
تحاول «هيلين فيشر» فى مشروعاتها البحثية تحديد كل أنواع الأسباب التى تجعل شخصًا يقع فى حب شخص ما بدلًا عن آخر.
التوقيت مهم، التقارب مهم، الغموض مهم، أنت تقع فى حب شخص ما غامض بطريقة ما، والسر؟ لأن الغموض يرفع الدوبامين فى المخ، على الأرجح يدفعك لأعلى تلك النقطة للوقوع فى الحب.
نحن نقع فى الحب مع شخص ما يتناسب مع ما تسميه فيشر «خارطة الحب خاصتك» والقائمة اللا واعية للصفات التى بنتها الطفولة بينما ترعرعت.
الوقوع فى الحب ليس أمرًا سهلًا، لكنه نوع من التكامل بين الأجهزة الدماغية. فإذا لم يكن الحب اعتباطيًا وفقًا لدراسات «هيلين فيشر»، فإنه بالتأكيد قدر لا مفر منه.
وللحديث بقية.