رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
وائل خورشيد
وائل خورشيد

وائل خورشيد يكتب: «عيال حبيبة».. تعريف آخر لزمن الفن الجميل

الخميس 29/أكتوبر/2020 - 11:33 م
طباعة
بعد منتصف الليل، عربات الميكروباص متراصة على أحد جانبي الطريق، ينادي السائقون على المارة، تحركت كالشبح ووصلت إلى أحدها واسترحت على المقعد المتواجد خلف السائق، وما أن اكتمل العدد، أدار الساق المفتاح، عمل الموتور، وبضغطة على الكاسيت المتهالك، خرج صوت خطفني مرة واحدة للماضي.

أغنية تسمى "علمني" للفنان حمادة هلال ومجموعة أطفال، صدرت في العام 2003، في فترة تألق ابن محافظة الشرقية. الأغنية تتحدث عن فلسطين، يقف حمادة هلال وسط مجموعة من الأطفال، مرتديا ملابس سوداء، يغني بصوتٍ شديد الحزن يكتم البكاء بصعوبة، لا أعرف هل كان متأثرا أم فقط كان يؤدي دوره. العمل كان يناصر القضية الفلسطينية، والعربية والإسلامية لنكون أكثر دقة.

حاولت تجنب صوت الموتور قدر الإمكان، وصوت الزبائن، والأجرة التي تذهب وتجيء بأخطاء دائمة تنتهي بمشاجرة، حيث يكون هناك جنيه فضة مفقودا لا يعرف أحد مصيره، ويكون كل الركاب متهمون بسرقته.

عدت مع الأغنية، ورغم أني حينها لم أكن أذكرها ولا حتى من جمهور حمادة هلال، إلا أني شعرت بالنوستالجيا، ولم أفهم ما السبب الذي يدفع سائق ميكروباص في 2020، ليشغل تلك الأغنية غير المتناسبة بالمرة مع الموقف. ربما ما يبرر ذلك ملامحه العابثة، التي تشير إلى شخص يحمل هما كبيرا، ربما تكون قضية فلسطين فعلا، لم لا؟!

مضى الطريق وأنا أدندن بعض من الكلمات التي بدأت أتذكرها من الأغنية "علمني وصبرني وقدرني.. وأيام وسنين بتفوت". لا أعرف ما هو نوع السادية التي دفعت حمادة هلال ليجعل مجموعة أطفال تغني تلك الكلمات غير المتناسبة تماما مع مرحلتهم العمرية، ولكن كانت هذه سمة أعمال حمادة هلال، وربما تلك الفترة عموما، حيث إن الإنتاج الفني كان شديد الغرابة، وهذا ما سأعرضه تاليا.

حينما عدت للمنزل يومها، بقيت متأثرا لبعض الوقت بكلمات حمادة هلال، والأغنية، وفجأة راودني الحنين لفيلم "عيال حبيبة" الصادر في عام 2005، بطولة حمادة هلال ومحمد لطفي ورامز جلال، وحسن حسني، وغادة عادل.

حينما تكون في العام 2020 وتشاهد فيلم "عيال حبيبة" فأنت أمام حالة شديدة الغرابة، الفيلم كوميدي، لطيف جدا، ممتع، مليئ بالأخطاء الفنية، والعنصرية، وكل شيء، حتى أنك تشعر في بعض اللحظات أنك تشاهد عمل فانتازي، أو حتى فيلم كارتون للأطفال، إن صح فإن هذا الفيلم لو كان يُصنف بمثل ما نفعل اليوم فهو "G" المسموح بمشاهدته لجميع المراحل العمرية دون مراقبة من شخص بالغ، فيلم ساذج جدا، ولكن مع ذلك كنت أشعر بالمتعة خلال المشاهدة.

ضحكت جدا عند الموقف الكوميدي الأبرز حينما كان حمادة هلال ينتظر في الكافيتيريا فتاة العمر "نهى" الرومانسية الوديعة، وكان يفترض أن تكون غادة عادل، ولأن ذلك لم يكن ممكنا في ذلك الوقت، فقام أصدقاؤه حلا للأزمة بإحضار أخرى تعمل فتاة ليل، وحينما وصلت إلى المكان وقفت تصيح بصوت عالي "عييييييد.. انت فين يا عيد" حتى وجدته، وذهبت إليه وسلمت عليه وقبلته، وكان هو مستغربا، لأنها ليست سلوكيات نهى فتاة أحلامه، حتى انتهى المشهد، بمعركة بينها وبين فتاة ليل أخرى، وإغماء "عيد" الذي كان يجسد دوره حمادة هلال.

هنا أقول إنها حالة "زمن الفن الجميل". الحقيقة أن هذا الفن لم يكن جميلا، ولو قورن بمعايير دقيقة، فإنه سيخسر حتما، ولكن كل ما في الأمر أن الفيلم مرتبط معي بسينما "سفنكس" المكشوفة، وبائع "الكان" الذي يفتحها ويجعلك تشربها عنوة، والمشي طويلا في الشوارع.

الفيلم أعادني لتلك الأيام، حيث لم أكن أعول هم أي شيء، حتى الممثلون نفسهم وطبيعة العمل، توضح جدا أنها كانت فترة هادئة، لم يكن أحدهم يشعر بأي نوع من النقد، وإلا لما كانوا قدموا عملا بمثل تلك السذاجة، وضعف الديكور وأماكن التصوير، والعنصرية التي ظهرت مثلا في مجموعة "إفيهات" نجوم العمل على دور الجار الأسمر "عم نصر" والذي كانوا يسخرون منه طوال الوقت بسبب لون بشرته، وهو شيء لو حدث اليوم لثار مناهضي العنصرية، وقلبوا الدنيا ولم يقعدوها.

بالتأكيد كانت فترة هادئة، لهذا بالنسبة لجيلي، وأنا من مواليد الـ90، وأربط بين جيليّ الثمانينات وما بعدي بسنوات، ربما نشعر اليوم أن هذا زمن الفن الجميل.

تعالوا نعود بالزمن للوراء قليلا، الأفلام الأبيض والأسود، كان كثير منها شديد السذاجة، أداء الممثلون كان "أوفر جدا" حتى أننا حينما نعيد تقليد مشاهدهم، فإننا نمثل بشكل مبالغ فيه، ونضحك على الطريقة، ومع ذلك نعتبره زمن الفن الجميل.

ولكن لكل جيل أسطورته، والتي تشترط أن تكون حضرتها، صغيرا، حتى يكون العمل مرتبطا معك بحياتك السابقة، والماضي، دائما ما يحن البشر الذين عاشوا حياة سوية للماضي، وللطفولة، وللحي القديم، والأصدقاء، ولحظات الفرح الصافية السهلة، دائما ما نشعر أن الماضي كان أكثر هدوءا من الحاضر، والمستقبل بالطبع.

عبد الحليم حافظ، وأم كلثوم، نحبهم ونسمعهم، ولكن مع ذلك بالنسبة لجيلنا عمرو دياب ومحمد منير، هما أسطورتا الجيل، لأننا عشنا معهما مراحل من حياتنا، الحب والفراق، والجامعة، والصياعة المبكرة، والبنطلونات الشارلستون، والهروب من المدرسة، وأول مرة تحب، وتمسك يدها، وتشتري لها شريط كاسيت "علم قلبي"، نحن والجيل الذي يكبرنا قليلا الذين كانوا شبابا وحضروا هؤلاء النجوم في بداياتهم، عشنا هذا.

زمن الفن الجميل، لا يرتبط بقوة العمل، ولكن بجمال الزمن نفسه، بالأثر الذي تركه في نفوسنا، كثير من الأعمال التي صدرت في الماضي كانت شديدة البؤس، والضعف، ولا يصح أن أقارن فيلم لأحد مؤديّ الأغاني الشعبية، مع عمل مثلا لـ رشدي أباظة، ثم أقول أنظروا للفارق. طوال الوقت تكون هناك أعمال جيدة، وأخرى سيئة، بل بالعكس، في الحاضر أعمال كثيرة تفوقت على الماضي، ربما على مستوى التمثيل والعرض البصري والاحترافية والتنافسية، قد يشوبها بعض ضعف في الكتابة مثلا، ولكن طوال الوقت كان هناك عناصر قوة وعناصر ضعف، وهذا لا يعني أن ما مر لن يتكرر، بالمعايير المادية لن يتكرر، ولكن بمعايير الجمال، فأنه سيظهر ما هو أفضل، ولكن سنظل نعتقد أن ما مضى هو زمن الفن الجميل.