رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د. محمد عفيفي
د. محمد عفيفي

أقباط ومسلمون.. المشترك الشعبى «٢-2»

الخميس 29/أكتوبر/2020 - 07:19 م
طباعة

رأينا فى المقال السابق كيف نجت مصر عبر تاريخها الطويل من مرض مزمن يسكن المنطقة، وهو الحروب الأهلية وعدم تجانس النسيج الاجتماعى. وقد أوضحنا أن هذا الأمر ربما يعود إلى الجغرافيا من حيث النيل ودوره فى نشأة ورسوخ مفهوم الدولة المركزية، ولكن لا يمكن تجاهل أهمية التراث الشعى المشترك بين المصريين.
من هنا تأتى أهمية كتاب «كنت طفلًا قبطيًا فى المنيا» لمينا عادل جيد، إذ يروى مينا ذكريات طفولته فى المنيا، ومن المعلوم أن محافظة المنيا من أكثر مناطق التوتر «الطائفى» الآن، كما يوجد بها بعض بؤر الإرهاب.
فى الكتاب نرى كيف حافظ التراث الشعبى المشترك على وحدة النسيج الاجتماعى عبر التاريخ، وربما أول ملاحظة فى هذا الشأن هو وحدة العنصر البشرى قبل التنوع الدينى، ويفسر لنا التاريخ ذلك جيدًا، فكلمة قبطى فى واقع الأمر تعنى مصرى، وهى موجودة قبل اعتناق المصريين المسيحية، ولما اعتنق المصريون المسيحية، وأصبحت لهم كنيسة وطنية أصبحت كلمة قبط فى المعاجم تعنى مسيحيى مصر، وعرفت كنيستهم بالكنيسة القبطية.
ويرى علماء التاريخ القديم أن اللغة القبطية ما هى إلا آخر مراحل اللغة المصرية القديمة، وأن اللغة القبطية موجودة من قبل ميلاد السيد المسيح، ولما تحول أغلبية المصريين «الأقباط» إلى الإسلام بعد ذلك، انحصر لفظ قبطى على من بقى منهم على المسيحية، مع بقاء العنصر الواحد، ووحدة العادات والتقاليد والتى تظهر جليًا فى مظاهر الحياة اليومية والتراث الشعبى المشترك.
وأتذكر فى طفولتى أن جدتى كانت تحرص دائمًا على حالة الهدوء والسكون فى المنزل يوم الجمعة حرصًا علينا، وكانت تقول «أصل يوم الجمعة فيه ساعة نحس»، ويرصد لنا مينا أيضًا شيوع هذه العادة فى الأسر القبطية، وكيف كانت جدتهم تقول لهم نفس المقولة، رغم أن يوم الجمعة من الأيام المقدسة فى الإسلام، لكن الجميع مسلمين وأقباطًا يشتركون فى نفس العادة.
وعندما يكتب مينا عن عادات وحكايات الولادة والسبوع بين الأسر القبطية، تدرك على الفور أنها نفسها عند المسلمين، وأن الأصل ربما يكون منبعه سابقًا على الأديان، من مصر القديمة، ويبدأ ذلك بـ«الوَحم»، فعندما تريد الأم أن تُرزق بطفل جميل فإنها تطيل النظر فى وجه طفل جميل حتى «تتوحم»، فيأتى وليدها على هذا النحو، وأيضًا توحم المرأة على فاكهة ما أو أكلة ما.
وكذلك الاحتفال بسبوع الطفل فى اليوم السابع من مولده، وهى بالقطع عادة مصرية قديمة، ولاحظوا قدسية الرقم ٧ بشكل عام، وطقوس السبوع من حيث الغربال والسبع حبوب، وهز المولود، والصينية والإبريق بالنسبة للطفل، والقلة بالنسبة للطفلة وغيره.
وتتشابه العادات أيضًا عند الوفاة، من حيث سرعة دفن الميت إكرامًا له، ولبس السواد، وعادة الندب على الميت، مما أخرج لنا مهنة «الندابة» التى تتحسر على الميت وتذكر فضائله، والدفن قبل غروب الشمس، وحكايات النعش الطائر، وأن النعش يجرى بالمعزين شوقًا للقبر، وطقوس الحداد عبر ثلاثة أيام، ثم العزاء وزيارة المقابر عند الأربعين، بعد مرور أربعين يومًا على الوفاة.
وحتى فى عادات الحياة اليومية البسيطة وخرافاتها نجد المشترك الواحد، مثل فتح المقص وغلقه بيجيب النكد، أو إن الشبشب المقلوب يجلب الشجار، أو إن العفاريت تسكن فى الحمام لأنه مكان النجاسة.
كانت هذه عاداتنا، وتلك مظاهر الحياة اليومية لنا جميعًا أقباطًا ومسلمين منذ فجر التاريخ، إلى أن جاءت السبعينيات والغزو الوهابى، وتحريم كل شىء، ومحاولات تغيير الهوية المصرية، فهل نحافظ على الذاكرة الوطنية والتراث الشعبى المشترك؟