رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

مؤمن بـ«أصوات تحت الأظافر»: كتابة الموت والجنون والأسئلة الحارقة

الخميس 29/أكتوبر/2020 - 06:06 م
مؤمن سمير
مؤمن سمير
خالد حماد
طباعة
صدر مؤخرًا للشاعر مؤمن سمير منتخبات شعرية من دواوينه بعنوان "أصوات تحت الأظافر" عن دار خطوط وظلال بالأردن، تشمل هذه المختارات قصائد من 15 ديوانًا شعريًا أصدرها خلال الفترة من 1999 وحتى 2020، وهي الدواوين التي نشرت على مدى 21 عامًا، والتي حملت سمات فنية متعددة ومتغيرة حفل بها نص الشاعر.

نتحصّل عبر هذا الكتاب على فرصة لمقاربة الفروق الفنية والاختلافات بين التقنيات والولاءات الشعرية في كل مرحلة من مراحل رحلة هذا الشاعر، فنلتقي مثلًا بقصائد ودواوين تتخلى عن المجاز المباشر وتقدم شعرية البساطة واقتفاء أثر اليومي والمعيش وتتلمس الشعر المختبئ فيما وراء السطوح الصلبة الباردة، ونجد كذلك قصائد ودواوين تحاول أن تلعب بحرية وبلا حدود محسوبة تجرب وتستفيد من جنون واتساع آفاق قصيدة النثر فتلعب بالتالي بالقصيدة وتلعب معها في الآن ذاته.

كما سنجد قصائد ودواوين تحاول أن تقيم علاقات متشابكة بين الواقع كمدى مفتوح وقابل للنظر فيه، ومن ثم إعادة النظر والالتقاط والمُشاهدة والمراقبة وبين اللغة التي تحاول اختصاره في جمل وكلمات بينها علاقات وتفاعلات دائمة. هذه اللغة في النهاية ليست الواقع ذاته، لكنها تجل دائم ومفتوح على التأويلات التي تغني هذا الواقع وتكشفه وتثريه، وهو ما تضمنه دهشة هذه المجازات التي يقترحها الشعر.

نؤكد هنا على قولنا "قصائد ودواوين"، لأن الشاعر في ظني واع منذ بداياته لفكرة أن يكون كل ديوان وحدة فنية واحدة تكتمل أجزاؤها، وبالتالي تظهر وتشرق، بالتجاور بين وحداتها الفنية وتقنياتها وأدائها اللغوي، يقول الشاعر في مقطع يتزين بالسريالية من ديوان "بهجة الاحتضار": (نسيتُ ذراعي خارج العربة ثم لم أهتم. الأصابع الخمسة كانت تصافح الجميع وتترك في كفوفهم بقعًا حمراء لن تزال بماء النار) وتجمع الذات هنا بين الرغبة في قطع التواصل مع الآخرين وبين الانتقام العنيف منهم في نفس الوقت، مع التشديد على أن هذه الرغبة تكون فاعلة على مستوى الخيال والتمني فقط حيث يشيع في كل النتاج الشعري للشاعر، معنى ومبنى رفض الآخر والخوف المتجذر والرعب المتوطن منه أيًا كانت ماهيته، نباتًا أو جمادًا أو خيالًا أو طفلًا أو سماءً أو حتى أهلًا قريبين كالأم والأب، ويحتفظ الأب والأم بالذات بمساحات واسعة من العلاقات الملتبسة مع هذه الذات، إنهما الأقرب طبيعيًا لها والأبعد روحيًا ووعيًا ونفسيًا بمراحل مضطرمة، حتى إن الأداء الشعري يصل للقتل وحرق الأشلاء، مع الماضي والذكريات ثم الحاضر الذي لن يختلف كثيرًا.

ويقول الشاعر في ديوان "ممر عميان الحروب": (أُغطي نفسي بالقار القار الملتهب الحاقد وحتى يتم التهامي أطلق صرخاتي للداخل فينحاش سبيل الصوت وأصيرُ كَوْمةً تُطَقطِقُ تُخيفُ الهواءَ والأرضَ والبيوت)، ورغم العنف الذي يختاره الشعر ليعبر عن وحدة الذات وغربتها واضطهادها المتعدد الأشكال، بل وتفضيل الموت وتفكيكه ومقاربته بأكثر من صيغة فنية في الكثير والكثير من القصائد، كقيمة جمالية كبرى في الكتابة- إلا أننا نلتقي كذلك برقةٍ وشفافيةٍ لا تغفلها الكتابة، تمشط القسوة وتقصيها: (حتى قال جدكم.. أَسَرَّ في قلبي أنهُ لم يحب أملاك هقدر حُبه للزرع المسحورِالساكن عيني وأنه لم يكن يأمرني بتقبيل خيالاتِهِ المربكة إلا ليَشُمَّ الجنةَ من ياقتي و أنني كنتُ أربِّي حمامةً بيضاء فوقي وأنا نائمة) ديوان "يُطِلُّ على الحَواس".

أشعار مؤمن سمير متسعة الآفاق والطموح وتضرب في اتجاهات لا حد لها، حيث تتقاطع مع السيرة والفلسفة والموت والدين والواقع والخيال والإيروتيكا، وتلقي بأسئلتها الحارقة في كل اتجاه، وتعيد قراءة ورسم ونحت واكتشاف كل القيم والأنماط بجموحٍ واضح، وتوسع دائرة اقتناص الشعرية، حيث تبحث عن الشعر في كل شيء وتستخرج الشعر من النور والنار ومن الجمال وبالأحرى من الجحيم ذاته.