رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 28 نوفمبر 2020 الموافق 13 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري

كيف هرب أنيس منصور من الكتابة عن أحداث سياسية ولجأ إلى الفضاء؟

الأربعاء 21/أكتوبر/2020 - 01:15 م
أنيس منصور
أنيس منصور
جمال عاشور
طباعة
حكايات وذكريات كثيرة للعديد من المفكرين، والأدباء، مع الكاتب أنيس منصور، الذي تحل اليوم ذكرى رحيله، وخاصة مع أصدقاءه وزملاءه، في لجنة الفلسفة التي كان يرأسها في المجلس الأعلى للثقافة.

وفي اجتماع لجنة مجلة "الفلسفة" بتاريخ 15 يونيو 2010 تحدث "أنيس" حسب ما ذكر الدكتور محمد السيد عيد، عضو لجنة الفلسفة لـ"الدستور"، عن الدكتور حسين فوزي عالم البحار وأدب الرحلات المعروف المتوفى عام 1988 عن 88 عاما.

وقال "أنيس" إنه تخرج من السوربون، وإنه كان يكتب بعض القصص لمجلة "السفور" لصاحبها الأديب محمد تيمور، وذكر أنه رفض منح أم كلثوم جائزة الدولة التقديرية لافتقاد أعمالها للابتكار، وربما لأنه لم يكن يميل كثيرا للموسيقى الشرقية ويفضل عليها الموسيقى الغربية الكلاسيكية، بل وله العديد من الأعمال عنها من بينها كتاب عن الموسيقار بيتهوفن، وإن كان الرئيس جمال عبد الناصر (أوصى) اللجنة أن تمنح أم كلثوم الجائزة عام 1968.

وتابع أنيس خلال الجلسة، أن الدكتور فوزي كان شخصية متعددة المواهب، تنوعت اهتماماته بين العلوم والفنون، فقد كان طبيبًا، ودارسًا للعلوم، ومتخصصًا في علوم الأحياء المائية، وقد تدرج في المناصب والمواقع المختلفة، فكان عميدا لكلية العلوم فرئيسًا لجامعة الإسكندرية، ورئيسًا للمجمع العلمي المصري؛ كما كان أيضًا كاتبًا تخصص في أدب الرحلات، وفي الاهتمام بالموسيقى الكلاسيكية الغربية، حتى أنه تحمس لها أكثر من تحمسه للموسيقى الشرقية، وقد دفعه هذا لإنشاء البرنامج الثاني في الإذاعة المصرية ووجهه نحو تقديم وشرح الموسيقى السيمفونية، كما له مؤلفات عديدة منها كتابه الموسيقى السيمفونية، وكتاب عن بيتهوفن.

ولفت محمد السيد عيد، أن أحد الحاضرين، ذكر أنه هو صاحب ومؤسس أكاديمية الفنون، بل وأول من طالب بإنشاء المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية "المجلس الأعلى للثقافة".

وتابع عيد، أن هناك قصة طريفة ذكرها "أنيس" تتعلق بالدكتور حسين فوزي وتوليه مهمة سفينة استكشافات علمية تسمى "مباحث"، وهي سفينة أبحاث علمية متطورة في علم البحار، ذلك العلم الذي اهتم به علماء بريطانيون في البداية أهمهم "ويمبيني"، ثم خلفهم الدكتور حسين فوزي عام 1931 وكانت تضم مختبرًا صغيرًا، وتستطيع الإبحار والمكوث في الماء 15 يوما متصلة، وقامت بعدة رحلات مهمة بل واستعانت بها السلطات البريطانية في بعض المهام والاستكشافات، حيث كانت ترفع آنذاك العلمين المصري والبريطاني، وفي رحلتها الأولى غادرت "مباحث" ميناء الإسكندرية، في سبتمبر 1933 حاملة البعثة التي تضم الباحثين الإنجليز وعالمين مصريين بينهما الدكتور حسين فوزي إلى بورسعيد فالسويس فالغردقة، ثم قامت بعشر رحلات في عدن وكراتشي وبومباي وخليج عمان والمحيط الهندي وزنجبار وكولومبو والمالديف ثم عدن، وأخيرًا عادت إلى الإسكندرية في مايو 1934، وقطعت في تسعة أشهر، زمن تلك البعثة، 22 ألف ميل، وتعد بعثة السفينة مباحث بمثابة البداية الحقيقية لتاريخ علوم البحار في مصر، والمنطقة العربية بأسرها، وقد اكتسبت تلك السفينة شهرة فريدة حتى بين المثقفين في تلك الفترة.

وأكمل محمد السيد عيد: "من الأمور التي حيرتني ولم أجد إجابة مقنعة لها عند الأستاذ أنيس خاصة في الأشهر القليلة التى قضاها معنا بعد ثورة يناير، أنه كان يتحاشى الكتابة عن بعض الأحداث السياسية الساخنة التى تدور على الساحة، إذ أنك تجد الكل مشغول بأحداث كبرى تغير من وجه الحياة وتؤثر على الجميع فى الوقت الذى يكتب فيه الأستاذ أنيس عن الأدب أو الفضاء أو الأطباق الطائرة أو حتى الموضة وأخبار الفنانات، وقد سألته فى هذا الأمر فقدم لي إجابة محبطة غير مقنعة بل لا تليق به كمفكر كبير، إذ قال إن تعاقده مع الصحيفة "كنا نتحدث عن جريدة الشرق الأوسط" كان يتضمن عدم الحديث في الدين أو السياسة".

وأضاف: "وهذا القول وجدته حينها غير مقنع لسببين، الأول كيف لكاتب بقامة أنيس منصور أن يقبل أمرًا كهذا؟.. الأمر الثاني أن الأستاذ أنيس يفعل نفس الشيء فى عموده اليومي في جريدة الأهرام، ويكتب عن موضوعات هامشية، ويقيني أن الأهرام لا يفرض شروطًا على كاتب في وضع الأستاذ أنيس، فقلت لنفسي لعل السبب الحقيقي الذي لم يشأ أن يذكره الأستاذ أنيس يتمثل فى إيمانه العميق بأنه ليس صحافيا عاديا أو مراسلا أو حتى معلقًا على الأحداث الجارية، وإنما هو أديب ومفكر يكتب في الصحافة، والسبب الثاني هو تصوره أن الفيلسوف الحقيقي لا يجب أن يلهث وراء الأحداث اليومية الجارية ليعلق عليها، وإنما يتعين أن ينأى بنفسه عنها ولا يتسرع في الحكم حتى تتضح له الصورة بعيدا عن ضبابية وتسارع الأحداث الجزئية الجارية، وهو رأي صائب في غالب الأحوال، فكثير من تعليقات وآراء الفلاسفة تبدو غريبة غير مألوفة في حينها، ثم سرعان ما يتبين للناس بعد فترة أنها أقوال صحيحة".

ولفت إلى أن أنيس منصور ردد عبارة معروفة تلخص رأيه في هذا الصدد وهي "ابتعد عن المنظر يتضح لك المنظور".