رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الخميس 03 ديسمبر 2020 الموافق 18 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
جمال طه
جمال طه

خلف كواليس مفاوضات «الناقورة»

الخميس 15/أكتوبر/2020 - 07:30 م
طباعة
المباحثات اللبنانية الإسرائيلية حول ترسيم الحدود البحرية بدأت ١٤ أكتوبر، تحت رعاية الأمم المتحدة بمركز يونيفيل «القوة التابعة للمنظمة الدولية» ببلدة الناقورة قرب الحدود الإسرائيلية جنوب لبنان، كثمرة لجهود وساطة جُلها أمريكى.
الاتصالات بدأت على استحياء ٢٠١٢، لكنها اتخذت طابعًا أكثر جدية منتصف ٢٠١٨.. إسرائيل كشفت فى مايو ٢٠١٩ عن استعدادها لمفاوضات مباشرة بهدف التوصل إلى اتفاق ترسيم للحدود البحرية، لكن لبنان رأى أن انفراد أمريكا بالوساطة فى مفاوضات التسوية يعرضه لانتقادات الموالين لطهران، ما دفعه للتمسك بأن تكون الوساطة مشتركة بين أمريكا والأمم المتحدة، التى رسمت الحدود البرية بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام ٢٠٠٠، لأن الدولتين لا تزالان رسميًا فى حالة حرب.. إسرائيل وافقت خلافًا لتمسكها المعتاد على رفض تدخل المنظمة الدولية فى الاتفاقات الثنائية مع دول الجوار.
لبنان اشترط الربط بين ترسيم الحدود البحرية ونظيرتها البرية، وتمسك بأن يكون خط الحدود البحرية امتدادًا لخط الحدود البرية داخل المسطح المائى، تأكيدًا لحقوقه فى المنطقة المتنازع عليها، فى مواجهة محاولة إسرائيل قياس الحدود البحرية بزاوية عمودية «٩٠ درجة» على الخط الساحلى، طمعًا فى ضمها.
الوسيط الأمريكى أقنع إسرائيل بالموافقة على الربط، على وعد بمحاولة استبعاد مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والغجر التى تحتلها إسرائيل، استنادًا إلى أنها تتبع القرار الدولى ٢٤٢ المتعلق بالأراضى العربية المحتلة عام ٦٧، ولا تندرج تحت القرار ٤٢٥ المتعلق بالاحتلال الإسرائيلى لجنوب لبنان عام ١٩٧٨.. وتعنى عملية الربط أن لبنان سيكون فى حلٍ من الاتفاق على الترسيم فى أى من المجالين «البحر أو البر» إذا جرى الاتفاق عليه، وتعذر الاتفاق على الترسيم فى المجال الآخر.. هذه التوافقات تعكس مرونة مبشرة من الجانبين.
فى شهر يونيو الماضى، كانت إسرائيل ولبنان قاب قوسيْن أوْ أدنى من التوصّل لاتفاق ترسيم الحدود، لكنّ اللبنانيين تراجعوا فى اللحظات الأخيرة، نتيجة الضغوط التى مارسها «حزب الله» على الحكومة.. ولكن، بعد انفجار مرفأ بيروت، واستفحال الأزمة الاقتصادية، تعرض «حزب الله» لانتقادات داخلية ودولية حادة، باعتباره صاحب شحنة نترات الأمونيوم التى انفجرت بميناء بيروت، ما نقله إلى موضع الدفاع.. «حركة أمل» الشهية تجيد توزيع الأدوار مع «حزب الله»، ففى الوقت الذى اشتعلت فيه ثورة الشعب اللبنانى ضد الحزب، كشف نبيه برى عن أن «المحادثات مع الأمريكيين فى ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل أصبحت فى خواتيمها».. وذلك فى محاولة لتجميل صورة القوى الشيعية المرتبطة بإيران، ونفى الاتهامات التى وجهت إليه بالتسويف فى ملف ترسيم الحدود منذ أن تسلمه.
أمريكا جددت جهودها لبدء المفاوضات بين إسرائيل ولبنان.. ديفيد شنكر، مساعد وزير الخارجية الأمريكى، توصل إلى مسودة محدثة لوثيقة مبادئ لبدء المفاوضات نتيجة لتعاون الجانبين، و«حزب الله» تراجع عن مواقفه المتشددة، مؤكدًا أن «الإطار التفاوضى لتحديد إحداثيات السيادة الوطنية على الحدود البحرية الجنوبية واستعادة أراضينا، هى مسئولية الدولة اللبنانية»، وتلك موافقة صريحة من الحزب على مبدأ تفاوض الدولة مع إسرائيل، بغض النظر عما أعلنه من أن المفاوضات مع تل أبيب لا علاقة لها بـ«المصالحة أو التطبيع»، لأنه فى النهاية سيسعى لوضع مسألة العقوبات الأمريكية المفروضة عليه وعلى إيران، إما على مائدة التفاوض المباشر، أو فيما يتم سرًا من تفاهمات داخل الدهاليز الخفية.
تكليف نبيه برى برئاسة الوفد اللبنانى فى المفاوضات تم بضغط من «حزب الله»، وهو ما لقى تجاوبًا أمريكيًا إسرائيليًا، بهدف ضمان عدم تراجع الثنائى الشيعى الموالى لإيران عما يمكن أن تسفر عنه المباحثات من نتائج، رغم أن ذلك يحمل فى طياته عوارًا قانونيًا، لأن رئاسة برى للبرلمان، المنوط به التصديق مستقبلًا على الاتفاق من عدمه، فى الوقت الذى يتولى فيه وضع أسس وقواعد التفاوض، قد يعرض الاتفاق مستقبلًا للطعن.
تمسك برى بالمهمة، رغم محاولات رئاسة الجمهورية استعادة الملف بحكم امتلاكها الحق الدستورى فى التفاوض الخارجى، يرجع إلى سعيه لتوجيه رسالة إلى واشنطن نيابة عن الثنائى الشيعى وإيران تؤكد الحرص على التهدئة.
الدوافع اللبنانية الرئيسية للحرص على التوصل إلى اتفاق كانت اقتصادية ومالية، خاصة أن لبنان يتبوأ المرتبة الثالثة بين البلدان التى لديها أعلى ديون بقرابة ٩٠ مليار دولار، تمثل ١٤٠٪ من الناتج المحلى الإجمالى، مع عجز كامل عن السداد، وانهيار غير مسبوق للعملة.. مصادر التمويل والدعم الدولى للبنان تراجعت بسبب الفساد وانهيار الأوضاع المالية، والمبادرات الفرنسية فشلت فى تحقيق إجماع داخلى.. شركة «توتال الفرنسية» لم تجد فى المربع رقم «٤» شمال بيروت، كميات تجارية كافية من الغاز تصلح للاستثمار، ما يجعل من حسم الخلاف حول الحدود البحرية مع إسرائيل الفرصة الأخيرة لتدبير احتياجات لبنان المالية والاقتصادية، وتوفير مصادر استهلاكه من الطاقة.
أما إسرائيل، فترغب فى التخلص من تهديد «حزب الله» منصات حفر الغاز البحرية، بحجة الخلافات الحدودية.. التسوية تصب فى صالح كل الأطراف، حتى إن الحكومة الإسرائيلية بمجرد اطمئنانها للتهدئة ودخول ساحة المفاوضات قامت بالمصادقة على التنقيب عن الغاز والنفط فى بلوك «D» المحاذى لبلوك «٩» موضع النزاع مع لبنان، والذى كانت تخشى من قبل أن يؤدى إلى تصعيد التوتر، وإثارة المخاوف من استهدافه بمعرفة «حزب الله».
نزول أمريكا بثقلها فى الوساطة، ومرونة الجانب الإسرائيلى، يرجع إلى خشيتهما من أن فرض المزيد من العقوبات على لبنان، نتيجة تقاعس السياسيين عن تسوية أزمة الفراغ الحكومى، قد يدفعه للتساهل مع أنشطة «حزب الله»، بل إنه فى حالة وصول لبنان إلى حد الانهيار الاقتصادى، فإن الحزب قد يتمكن بدعم إيرانى من السيطرة الكاملة على الأوضاع فى البلاد، وربما يحاول لفت الانتباه بعيدًا عن سيولة الموقف الداخلى، بافتعال هجمات ضد إسرائيل.. واشنطن وتل أبيب تعولان على المفاوضات المتعلقة بترسيم الحدود البرية، ما يؤكد الاستعداد لتسليم الـ١٣ نقطة التى تحتلها إسرائيل، حتى يتم تجريد «حزب الله» من ذريعته للاحتفاظ بسلاحه وصواريخه بحجة تحرير الأراضى المحتلة، ومواجهة التعدى على حقوق لبنان فى الثروة الغازية والنفطية داخل المنطقة الاقتصادية الحرة.
مساحة المنطقة المتنازع عليها «٨٥٤ كيلومترًا مربعًا»، يقع داخلها المربع رقم «٩» الأكثر ثراءً، والذى تم إسناد امتياز الحفر فيه لشركات التحالف الثلاثى «توتال الفرنسية، إينى الإيطالية، ونوفاتك الروسية»، لكنها لا تستطيع العمل قبل تسوية النزاع وتوقيع اتفاق الترسيم.
المصادر الإسرائيلية تقدر حصة الغاز الطبيعى فى المنطقة المتنازع عليها بنحو ٩٦ تريليون قدم مكعب، وهى كمية تكفى احتياجات لبنان الداخلية وتسمح بالتصدير.. هذه التقديرات تستند إلى بيانات تعكس درجة عالية من الثقة، نظرًا لأن المربع «٩» يبعد ٥ كيلومترات عن حقل «كاريش» البحرى الإسرائيلى، موضع النزاع أيضًا، والذى تم بالفعل استخراج كميات اقتصادية منه، ما يعنى أن المربع اللبنانى يعتبر امتدادًا لنفس الحوض الذى تقع فيه مصائد الغاز الإسرائيلية.
«حزب الله» من جانبه يقدر الفوائد الاقتصادية المتوقعة من عمليات استخراج الغاز، وينتظر نصيبه من الأرباح، تعويضًا عن الضيق الذى يعانيه، نتيجة زيادة نفقات تورطه فى سوريا، وتقلص إيراداته بسبب العقوبات على إيران، ما أضعف من قدرته على دعم فقراء الشيعة كعادته، وذلك أفقده الكثير من شعبيته، وبدأت الانقسامات تضربه من الداخل.. الحزب يثق فى أنه لا يمكن تجاوزه فى أى تسوية، لأنه قادر على إفساد أى اتفاق، وزيادة إرباك المشهد.
لبنان لا يستطيع أن يعمل منفردًا حال بدء إنتاج الغاز، وظهور الحاجة إلى تصديره لأوروبا، لذلك سيكون أمامه خياران، الأول: الانضمام إلى «منتدى غاز شرق المتوسط» الذى تحول إلى منظمة إقليمية، وهو ما قد يقاومه بعض القوى السياسية، لا سيما «حزب الله»، نظرًا لعضوية إسرائيل فيه، الثانى: الاتفاق مع تركيا على مد خط للتصدير عبر أراضيها، وهذا البديل أيضًا تواجهه صعوبات تتعلق بحتمية المرور بالمياه الاقتصادية لسوريا، مما قد لا يكون متاحًا بسبب صعوبة ترسيم الحدود بين دمشق وأنقرة فى ضوء المواجهات الراهنة بين الجانبين سواء فى إدلب، أو بامتداد خط الحدود البرية بين الجانبين، فضلًا عن تجدد النزاع بشأن لواء الإسكندرونة.. ويبقى البديل المصرى هو أنسب الخيارات، إذ ينقل الغاز اللبنانى إلى دمياط لإجراء عمليات الإسالة، ثم يعيد تصديره إلى أوروبا، سواء بوجود لبنان داخل «المنتدى»، أو من خلال التعاون الثنائى.. مصر لن تكون مجرد مركز إقليمى للغاز بالمنطقة، لكنها ستظل الحل، عندما تعجز البدائل.