رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأربعاء 28 أكتوبر 2020 الموافق 11 ربيع الأول 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د. منى حلمى
د. منى حلمى

هل المرأة غير المتزوجة أكثر عرضة للمرض العقلى والنفسى؟

الأحد 20/سبتمبر/2020 - 08:41 م
طباعة
قرأت عن دراسة مصرية حديثة بحثت العلاقة بين النساء والجنون، خلصت الدراسة إلى أن النساء غير المتزوجات أكثر عرضة للمرض العقلى. وفسرت ذلك على أنه نتيجة الشعور بعدم الاستقرار والوحدة والغيرة من النساء المتزوجات وافتقاد الدفء العاطفى الحميم.
إنه لشىء مؤسف أن تكون البحوث أو الدراسات «العلمية» ضد «العلم» وضد «المعرفة»، ومع التجهيل» و«تضليل الحقائق».
وشىء مؤسف أن يتم تفسير نتائج البحوث والدراسات التى تأخذ صفة «العلم»، فى ظل الإطار الثقافى التقليدى وبشكل سطحى ضيق الأفق يفتقد الرؤية الناقدة المبدعة.
وتكون النتيجة النهائية بعد كم كبير من البحوث والدراسات، أننا لم نتحرك إلى الأمام خطوة واحدة وأن القيم المزدوجة التى تفرق بين البشر تزداد رسوخًا، والكارثة أن هذا يحدث تحت رداء «العلم» و«المعرفة» والوصول إلى «الحقيقة».
تقول الدراسة إن المرأة غير المتزوجة أكثر عرضة للجنون من المرأة المتزوجة، وجاء «التفسير» لأن المرأة غير المتزوجة، كما أوضحنا سلفًا، تفتقد الاستقرار والدفء الأسرى وتشعر بالوحدة وتغار من النساء المتزوجات.. نحن لا نتشكك فى نتائج الدراسة لكننا نشير إلى الطريقة التى تفسر النتائج.
إن عدم الزواج قد يؤدى إلى عدم الاستقرار أو فقدان دفء الأسرة أو الشعور بالوحدة لكن توقف التفسير عند هذا الحد يعد قصورًا علميًا وإنسانيًا وفكريًا لا نقبله.
يكمن القصور فى إغفال وتجاهل «مسئولية» المجتمع فيما تشعر به المرأة غير المتزوجة من أحاسيس «سلبية» تضر بصحتها النفسية والعقلية، فى ثقافتنا العربية هناك رفض ونبذ واستنكار واتهام للمرأة غير المتزوجة.
لقد تأسست مجتمعاتنا العربية، فكريًا بشكل يجعلها عاجزة عن فهم وتقبل واستيعاب المرأة خارج مؤسسة الزواج، هذا الشكل الفكرى هو ما نسميه «النمط الذكورى» أو «الثقافة الأبوية».
ويتضافر جميع قوى المجتمع فى جبهة محكمة لا يمكن اختراقها لترسيخ وإعادة إنتاج الثقافة الأبوية «الطاردة» للمرأة الوحيدة أو المرأة التى تعيش وتواصل التنفس والحركة وإثبات أنها على قيد الحياة دون «ضل راجل».
منذ الميلاد تُربى المرأة على أن الطموح الأعلى والوجود الأهم والسمعة الفاضلة وغاية الحياة هى فى دور «الزوجة»، أى العيش فى كنف رجل يعولها ويحميها ويسترها ويحميها من الاضطرابات العقلية والنفسية الناتجة عن عدم وجود هذا الرجل.
وتتضاءل أمام دور الزوجة أدوارها الأخرى فى التعليم والعمل والإبداع، بل إن المجتمع يجبرها بحكم الثقافة الأبوية على أن تتخلى عن التعليم والعمل والإبداع إذا تعارضت مع دور «الزوجة».
أما الرجل فيُربى منذ الميلاد على أن دوره كـ«زوج» هامشى ثانوى، مقارنة بأدواره فى إنتاج العمل والفكر والفلسفة والإبداع.
إذا لم يتزوج الرجل، قد يفقد دفء الأسرة لكنه لا يفقد دفء المجتمع، لكن المرأة غير المتزوجة تفقد الاثنين.. دفء الأسرة ودفء المجتمع.
فى ظل هذا الحصار الشرس وازدواجية القيم، تحتاج المرأة غير المتزوجة إلى قوة خارقة وإلى أسلحة استثنائية حتى لا يصيبها اضطراب عقلى أو نفسى.
كما أن القضية ليست الزواج أو عدمه، القضية هى: أى نوع من الزواج ما غايته وما دوافعه؟ هناك نساء كثيرات متزوجات ومحرومات من الدفء والاستقرار، ويشعرن بالبرودة والوحدة والكبت العاطفى والجنسى وهن فى أكناف أزواجهن.
وهل الزواج بالنسبة للمرأة يمنح أى «استقرار» والحقوق المطلقة معطاة للرجل وحده فى الطلاق دون قيود أو مساءلة أو مسئولية؟ هل يوجد فى الزواج استقرار وأمان للزوجة والزوج له حق تعدد الزوجات وإذا خان زوجته فالكل يغفر له؟
بالإضافة إلى ذلك لا بد من إعادة صياغة معانٍ كثيرة نستخدمها. فـ«الدفء» ليس مرادفًا لوجود رجل، و«الاستقرار» ليس مرادفًا لوجود بيت يحدد وظائف المرأة فى طاعة الزوج وخدمته، و«الوحدة» ليست مرادفًا لحالة إنسان يواجه الكون بقدراته الذاتية بمفرده ويحقق طموحاته السابحة ضد التيار.
هناك دراسات كثيرة فى مجال الطب النفسى أثبتت أن المرأة المتزوجة أكثر شعورًا بالاكتئاب والملل وعدم التحقق عن المرأة غير المتزوجة، هناك ظاهرة معروفة فى الطب النفسى اسمها «اكتئاب الزوجات» أو «اكتئاب ربات البيوت»، ويرجع هذا الاكتئاب إلى شعور المرأة المتزوجة بالقهر أمام سلطة زوجها وإلى إحساسها بعدم التحقق وخيبة الأمل والفتور العاطفى والجنسى.
المشكلة إذن ليست فى الزواج أو عدمه، ولكن فى الإطار الثقافى والاجتماعى والأخلاقى الذى فى ظله تعيش وتتزوج النساء.
المشكلة هى القيم والمفاهيم التى تشكل المجتمع الذى تعيش فيه المرأة المتزوجة أو غير المتزوجة، وليس فى الزواج أو عدم الزواج فى حد ذاتهما.
القضية هى أن تتغير تلك القيم والمفاهيم الأبوية التى تعتبر الزواج للمرأة «مصيرًا محتمًا» مثل الموت لا فكاك منه وأنه «أفضل مصير» يمكن تصوره للنساء، وفى الوقت نفسه تتغير النظرة الأخلاقية والاجتماعية لـ«عدم زواج» المرأة، فلا يكون مرادفًا للشذوذ أو الوحدة أو الاضطراب العقلى أو عدم التحقق النفسى والإنسانى.
«الزواج» وبالتالى عدم الزواج، جزء واحد من أجزاء الحياة وليس كل الحياة.. ولذلك لا يجب أن نتوقف عنده بشكل مبالغ فيه ونعتبر وجوده هو «الحياة».