رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الخميس 29 أكتوبر 2020 الموافق 12 ربيع الأول 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
مؤمن المحمدي
مؤمن المحمدي

الساحرة المستديرة

الأربعاء 09/سبتمبر/2020 - 07:45 م
طباعة
كرة القدم بدأت فى إنجلترا، ومع بدايات انفصالها عن الرجبى، انتشرت بين التلامذة فى المدارس والجامعات، وكان رعاة كرة القدم هم القساوسة، اللى شافوا فى اللعبة وسيلة لـ خلق شباب مسيحى فتى، وتهذيب أخلاقهم، والتغلب على خطيئة «الاستمناء» اللى انتشرت بين الصبيان.
وقتها، انتشرت عظات لـ القس إدوارد ثرينج، ناظر مدرسة يوبنجهام، يطالب التلاميذ بـ لعب الكرة، بدلًا من ممارسة الرذيلة، التى «ستدفن أصحابها فى قبور مهينة».
عشان كدا، قدس البريطانيون القوة البدنية، ومهما تطورت الدنيا، يفضل أصل الكورة عند الإنجليز، هو اللياقة البدنية، ولـ حد النهاردا، لا مكان فى الدورى الإنجليزى، إلا لـ اللاعب «الفت» على طراز رفيع.
حتى على مستوى التحكيم، كتير من الالتحامات القوية، اللى العالم كله بـ يحسبها فاول، ما بـ تتحسبش فى البريميرليج، دا مختلف عن الدورى الإيطالى مثلًا، رغم أنه الطليانة مشهورين بـ العنف، بس العنف غير الخشونة، العنف مش ناتج عن تلاحم بدنى، مرتبط بـ اللياقة البدنية لـ المتنافسين، العنف استحلال أذى.
لكن سيبك من الطلاينة دلوقتى، خلينا فى أسكتلندا، اللى الكورة لما بدأت عندهم، كان رعاتها هم العسكريين، وكان كتير من اللاعبين فى الجيش، وفيه اسمين بـ ترجع لهم الريادة، هنرى تيرى تايلور وجون بلاكبيرن.
كل واحد فيهم كان ملازم، الطبيعة العسكرية دى، هى اللى بدأت «التكتيك» فى الكرة، طبعا تكتيك بـ مفهوم بدائى، إنما هم اللى بدأوا مفهوم جديد لـ ممارسة الكرة، وهو الاعتماد على «التمرير»، اللى تقريبًا ما كانش موجود عند الإنجليز، ومعاهم بدأت بذرة أول «خطة» فى الملاعب، يعنى تقسيم اللاعبين فى الملعب.
كانت خطة ٢- ٣- ٥، مش ٥- ٣- ٢، لأ، اتنين دفاع وتلاتة وسط وخمسة مهاجمين، الطريقة دى كانت مثار سخرية فى بدايتها، وكان فيه نكتة منتشرة وقتها، «هم بـ يسيبوا اتنين ورا ليه؟ عشان يرغوا مع الحارس ويسلوه؟».
الأسلوب الأسكتلندى ده، هـ ينتشر بـ فضل تلات حاجات:
أولًا: اللعبة كانت بـ تمارس فى أسكتلندا، فى نطاق جغرافى محدود، قياسًا بـ إنجلترا، كل ممارسى اللعبة كانوا بين جلاسجو وأدنبرة، إنجلترا، كانت الكورة بـ تمارس فى نطاقات مختلفة، ومدن مختلفة، ده إدى فرصة لـ السيستم الأسكتلندى، إنه يتوحد أولًا ثم يتطور نسبيًا ثانيًا.
التانى، لما اتقابلت إنجلترا مع أسكتلندا، فى أول ماتش دولى، الإنجليز كانوا فاكرين إنهم هـ يكسبوا بـ سهولة، نظرًا لـ فارق اللياقة البدنية الواضح، إنما ده ما حصلش، والماتش خلص صفر صفر.
وقتها كانت تغطية الصحف لـ الماتش: «كان للإنجليز كل الميزات، فيما يتعلق بالوزن، فمتوسط أحجامهم كان أثقل حجرين عن الأسكتلنديين، وكانت لهم ميزة السرعة، أما نقطة قوة الفريق المضيف (الأسكتلندى) فهى إنهم امتازوا باللعب الجماعى الجيد».
التالت، مع انتشار الأسلوب الأسكتلندى، حتى فى إنجلترا نفسها، حصل إنه فيه مدربين كرة قدم، اتنقلوا لـ الحياة فى وسط أوروبا وشرقها، اللى كانوا أميل لـ الطبيعة العسكرية، بـ حكم تكوين البلاد دى، ومراكز القوة فيها.
التاريخ بـ يحتفظ هنا بـ اسم جيمى هوجان، اللى ممكن نحكى حكايته فى سياق تانى، إنما هو رغم إنجليزيته، كان رائد اللعبة فى النمسا والمجر، وهو اللى علمهم «التكتيكات»، وعلقهم بيها.
جوستاف شيبس، المدير الفنى العظيم لـ منتخب المجر الأشهر فى التاريخ، قال:
«لعبنا كرة القدم، عندما علمنا إياها جيمى هوجان، عندما نتحدث عن تاريخنا، يجب أن يكتب اسمه بحروف من ذهب».
إنما وسط وشرق وجنوب أوروبا، مش هم الوحيدين اللى راح لهم الإنجليز. ٢٠٪ من استثمارات الإمبراطورية كانت فى أمريكا الجنوبية، وفيه مقولة لـ الإنجليز عن القارة الساحرة: «استغللنا مواردهم الطبيعية، وفى المقابل، منحناهم كرة القدم».
إنما الجماعة فى الأرجنتين وأوروجواى، غير أوروبا، لا فيه سيطرة لـ قساوسة، يقدسوا تنمية الجانب البدنى، ولا فيه عسكريين يهتموا بـ التكتيكات، ممارسو كرة القدم فى أمريكا اللاتينية، يمتازوا بـ حاجتين: أولًا، فقرا، لا يملتكون الحدائق الشاسعة، ولا الملاعب الواسعة، ما حيلتهمش غير حوارى ضيقة، ومساحات بـ الكاد.
ثانيًا: بـ يقدسوا الرقص.
فـ تبقى الكورة هناك بـ تعتمد على المهارات الفردية، والارتجال فى الأداء، والرقص والترقيص، ويبقى منتخب التانجو ومنتخب السامبا، ويظهر مفهوم «المتعة» فى مواجهة «الفنيات»، وإننا بـ نلعب أولًا عشان ننبسط، النتايج دى ربنا يسهل فيها.
الإمبراطورية البريطانية، لم تكن الشمس تغيب عنها، وأينما ذهبت، حملت معها كرة القدم، وكل بلد طبّعت اللعبة بـ طبعها، فى مصر، بدأت اللعبة مع الموظفين، لكن مش هم اللى نشروها، اللعبة انتشرت فى المدارس، وبـ دون رعاية، لا من قساوسة، ولا من عسكريين، ولا من أى حد.
بـ العكس كانت بـ تتهاجم، وأحمد بك شوقى شخصيًا، له بيت شهير ينتقد فيه اهتمام المدارس بـ الفوتبول، وتشجيع المندوب السامى لـ كدا، فـ بـ يقول لـ هذا المندوب:
هل من نداك على المدارس أنها
تذر العلوم وتأخذ «الفوتبولا»؟
على جنب:
الفوتبولا = الفوتبول = كرة القدم
تذر العلوم = تترك العلوم
المهم، انتشار اللعبة بين التلاميذ، ودون رعاية ثقافية ما، ودون صعوبات استثنائية زى أمريكا الجنوبية، خلاها تتميز بـ العشوائية والهواية، وكل لاعب مصرى، بـ استثناء نوادر لا تكاد تذكر، هـ تلاقى جواه تلميذ صغير، بـ يلعب كورة، وهو مش عارف بـ يلعبها ليه.
اللى ما أعرفوش بقى، الجماعة بتوع آسيا، خصوصًا شرقها، ما أعرفش ومش عايز أعرف، كفاية علىَّ منتخب كوريا الجنوبية، قاتلهم الله أنى يؤفكون.