رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 04 ديسمبر 2020 الموافق 19 ربيع الثاني 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د. منى حلمى
د. منى حلمى

الوصايا الأخلاقية هى الخطر وليست ممارسة الحرية

الأحد 06/سبتمبر/2020 - 08:54 م
طباعة
ينقسم الناس بشأن قضية المرأة إلى تيارين، التيار الأول يتهم أصحاب القضية من النساء والرجال بأنهم لا يقيمون اعتبارًا للعادات والتقاليد والأخلاق والأديان.
والتيار الثانى بدوره يأخذ موقف الدفاع عن أفكاره ونواياه الحسنة التى تهدف إلى تحرير النساء دون المساس بالعادات والتقاليد والأخلاق والأديان.
المثير للدهشة أن هذا النقاش لا يُثار عند الحديث عن تحرير فئات أو قطاعات أخرى غير النساء، أو عند الحديث عن تحرير الشعوب والأوطان بصفة عامة.
قد يثير تحرير الوطن جدلًا سياسيًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا، لكنه لا يثير الجدل الأخلاقى الذى يقترن فقط بشكل جوهرى بقضية تحرير المرأة.
نحن لا ندرى سبب هذه الحساسية المفرطة تجاه العادات والتقاليد وهذا القلق المتضخم والخوف الشديد المزمن على الأخلاق والأديان حين يقترن حديث الحرية بالنساء.
نتساءل: لماذا لا يرى البعض حرية المرأة إلا مرادفة للانحلال والإباحية وإثارة الفوضى؟ لماذا قُدر على المرأة أن تكون الكائن الوحيد الذى ترادف حقوقه وحرياته معنى مخالفة الشرائع والتحالف مع الشيطان؟
إن التخوفات الأخلاقية المثارة لا بد أن تجعلنا نتساءل: ما العلاقة بين طموح المرأة إلى الحرية والمساواة وضياع الأخلاق؟ ما علاقة تصور عالم جديد يضمن للنساء الكرامة والعدل بمخالفة الشرائع؟
جاءت كل الشرائع لكى تساعد الإنسان على المزيد من الحق والخير والجمال، والناس تؤمن بالشرائع وتتحمس للدفاع عنها لأنها تحقق لهم الحرية والسعادة.
إن ذروة الفضيلة أو قمة الأخلاق أو التدين تكون هى بلوغ الإنسان حرياته ورفضه الدائم كل أشكال القهر والظلم.
وكذلك فإن العادات والتقاليد ليست سجنًا للإنسان الذى صنعها، وهى ليست كلمة نهائية فى قاموس الحياة دائمة التغير، لا بد أن يظل الباب مفتوحًا دائمًا لخلق عادات وتقاليد جديدة أقدر على مخاطبة طاقات الإنسان واحتياجاته المتجددة.
إن أصحاب الجمود والتزمت يروجون دائمًا بأن العادات والتقاليد هى بمثابة القوانين الطبيعية التى لا تقبل النقاش أو التغيير.. والحياة دائمًا تكذّب هذا المنطق، فهى تأتى على مدى عصورها بتقاليد تعكس ظروف واحتياجات كل عصر.
إن الارتباط العضوى دائم التكرار بين تحرير المرأة من جهة والخوف على الأخلاق والدين والعادات والتقاليد من جهة أخرى يعنى عدة أمور:
أولًا: هو يعنى أن المرأة فى نظر البعض ليست إلا الكائن القاصر العاجز عن تمييز السلوك القويم، وأنها الكائن المدنس الذى تحركه غرائزه دون ضابط، وأنها كائن عابث، إذا تُرك لحال سبيله فسوف ينشر الفسق والشرور والفتن، وبالتالى هى كائن خطر لأنها تلهى الرجال عن ممارسة الفضيلة.. أحقًا النساء بهذه القوة والرجال بهذا الضعف؟
ثانيًا: يعنى أن السياق الرئيسى الذى تتحرك فيه أخلاقنا وتقاليدنا هو فقط، أو بشكل أساسى، السياق الغرائزى المرتبط بالنصف الأسفل من الجسد.
وثالثًا: هو موقف يدل على عدم الفهم الكافى لقضية المرأة، حيث يرجع جزء كبير من عوائق التمرد إلى بعض العادات والتقاليد والأخلاق المتوارثة وإلى التفسيرات الرجعية للأديان.
نتساءل: ألا تسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية غير الإنسانية غير العادلة التى يعانى منها عدد كبير من النساء فى المدن والريف، خدشًا للعادات والتقاليد؟
أليس الفقر والحرمان اللذان يحاصران غالبية النساء أمرًا مخالفًا للشرائع؟ ولماذا لا تفسد الأخلاق والفضيلة حين يكون نصف المجتمع من النساء مكبلًا بتراث من الاضطهاد والتشكك والقهر؟
إن الانحلال والاستهتار وضياع الأخلاق، سواء تكلمنا عن النساء أو عن الرجال، كلها نتائج مناخ الظلم والتسلط وغياب العدل والحرية، هى إفراز طبيعى لمناخ قاهر من القيم، وليست كما يعتقد البعض من نتاج مناخ الحرية.
إن المرأة الحرة هى الأكثر قدرة على الفعل المسئول الذى ينهض بها وبمجتمعها، وكذلك الرجل الحر هو الأكثر قدرة على التحكم فى غرائزه الهوجاء التى تؤذيه وتضر بغيره.
لا خوف على الأخلاق والفضيلة من الحرية، وإنما الخوف كل الخوف من الوصايا الأخلاقية التى تُستخدم لخنق أنفاس الحرية، وإرهاب أصحاب قضايا التحرر والتغيير. إن منطق الهجوم على الحريات «خاصة حريات النساء» بدعوى الحفاظ على الأخلاق هو منطق ضد الأخلاق نفسها وضد حركة الحياة.
نتذكر فى هذا السياق أنه حدث فى القرن التاسع عشر أن قام أحد الناشرين المتشدقين بالفضيلة بطبع مؤلفات كل من موليير ولافونتين وراسين، فى طبعة خاصة بالعائلات الفاضلات، لكن المحاولة باءت بالفشل، والسبب أن الأفكار التى تعمّد الناشر حذفها حتى لا تفسد أخلاق الناس كانت موجودة سلفًا فى نفوس هؤلاء الناس.
المقصود من هذا المثل الواقعى أن الذى يتصور فساد الأخلاق لأن النساء يتحررن، إنما تكمن المشكلة فى داخله هو وليس فى التحرر وليس فى النساء، وعليه أن يحل مشكلته بعيدًا عن تقدم الحياة وعن طموح النساء للعدل والمساواة والحرية. إذا كنا نريد عالمًا جديدًا أخلاقيًا، فعلينا تحرير الأخلاق نفسها من السجن الضيق غير الأخلاقى الذى حصرناها فيه، وعلينا إعادة تعريف مفاهيم الفضيلة والحرية وتغيير النظرة إلى المرأة الحرة أو التى تنادى بالتحرر.
ففى النهاية نحن نتطلع إلى بناء إنسان حر، سواء امرأة أو رجلًا، لا إلى عبادة عمياء للقيود تحت اسم الحفاظ على الأخلاق والفضيلة والتقاليد.. وبما أنه ليست هناك قضية مثل قضية تحرير المرأة، التى تمس المشكلة الأخلاقية فى جذورها وتكشف عن تناقضاتها وأقنعتها، فإنه تقع على عاتق النساء الواعيات مسئولية كبيرة فى صنع هذا العالم الجديد الذى نتمناه.