رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 19 سبتمبر 2020 الموافق 02 صفر 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د.أحمد الخميسى
د.أحمد الخميسى

على الراعى.. مئوية مثقف عظيم

السبت 08/أغسطس/2020 - 08:09 م
طباعة
تحتفل الأوساط الثقافية هذه الأيام بالذكرى المئوية لميلاد الدكتور على الراعى المولود فى السابع من أغسطس عام ١٩٢٠. وهى ذكرى عزيزة على قلب كل مثقف وطنى مستنير، ليس فقط لأن د. الراعى ترك لنا أكثر من خمسين كتابًا فى الأدب والثقافة، لكن لأن فى كل كلمة من كلماته داخل كتبه شعت المحبة السخية للناس، والإيمان بقدراتهم، والانحياز إلى همومهم وآمالهم. وقد تكون الحرفة والعلم مكتسبات الخبرة وثمارها، لكن المحبة طبيعة قلب. هنا تحديدًا يكمن الفرق بين كاتب عظيم وكاتب آخر عظيم.
انظر قول الراعى فى حوار مع فاروق شوشة: «أنا أعتقد أن الإبداع هو نتيجة حب، حب للإبداع وحب للناس، كذلك النقد أيضًا نتيجة حب، حب للعمل الذى يتعرض له الناقد، وحب وشعور بالامتنان، امتنان أشعر به أنا شخصيًا لكل من كلف نفسه عناء الكتابة وحاول أن يوصلها للناس».
إنجازات الراعى وتأثيره فى الفكر الثقافى والأدبى أكبر من أن يتسع لها مقال، بدءًا من حصوله على منحة دراسية فى جامعة «برمنجهام» ودرجة الدكتوراه برسالة عن برنارد شو، ثم عمله أستاذًا بجامعة عين شمس، وترؤسه مجلة المجلة عام ١٩٥٩، ثم استقالته التى قلّما يقدم عليها مثقف من جميع مناصبه الحكومية عام ١٩٦٨ لكى يتفرغ للكتابة والبحث الأدبى. وفى رحلته الطويلة تلك كان الراعى دومًا علامة بارزة على الحرية والاستنارة والوطنية والمقدرة الفذة على تفسير وتقديم واقعنا الثقافى تاريخًا وحاضرًا. وانطلاقًا من ضميره الذى تفتح على تراث الشعب المصرى، ترك لنا كتبًا فذة، أقرب إلى الاكتشافات، مثل: «الكوميديا المرتجلة فى المسرح المصرى» و«فنون الكوميديا من خيال الظل إلى نجيب الريحانى»، و«شخصية المحتال فى القصة والرواية والمسرحية». واتسع اهتمامه لقضايا الوطن العربى برهافة ودقة فكتب: «المسرح فى الوطن العربى» و«الرواية فى الوطن العربى».
وإذا كانت محبة الناس جزءًا أصيلًا وعميقًا من موهبة د. الراعى وركيزة ينطلق منها إلى كل عمل أدبى، فإن رؤاه الفكرية كانت قريبة إلى تلك الموهبة، تضجر من التحيز، والتصنيف، لذلك يقول عن زميله د. عبدالقادر القط: «من أبرز ميزات الراعى أنه اختط لنفسه طريقًا وسطًا بين اليمين واليسار فى السياسة والثقافة معًا، فلم يتعصب لأى الاتجاهين، واختار من كل منهما خير ما فيه».
والواقع أن النظرة التى يزن بها د. الراعى مسيرة زميل آخر هى تعبير دقيق عن موقف د. الراعى نفسه الذى كره التعصب، وظل يردد: «دع مائة زهرة تتفتح.. لا يهم أن تتفتح، فى حقل يمين أو حقل يسار، شريطة أن تكون زهورًا بالفعل ذات قيمة ونفع للناس». بالمحبة وكراهية التعصب يمضى د. الراعى إلى المشروع القومى العربى للتحرر الذى يتيح للروابط التاريخية والثقافية أن تعبر عن وجودها وتأثيرها، لذلك فإنه يرى أن الأدب العربى كل لا يتجزأ، رغم الخصوصية الثقافية لكل إقليم. ولا شك أن نظرته تلك مشبعة بإيمانه بثورة يوليو- ليس من باب استرضاء سلطة- لكن دفاعًا عن إنجازات حصلت عليها الفئات الشعبية فى التعليم والصحة والسكن والعمل. من المحبة إلى كراهية التعصب إلى الإيمان بالثورة ثم إلى عدائه العميق للاستعمار. وفى مقال للراعى بعنوان «البلطجى الأمريكى وتابعه الهزيل» فى الأهرام فبراير ٩٨ يقول الراعى «إن ما تسعى إليه أمريكا هو عالم أمريكى واحد أو فناء العالم» وإن هدفها الاستيلاء على ثروات الشعوب، وإن «الهيمنة الأمريكية المتبجحة هى التى جعلت أمريكا وحدها تحدد مفهوم حقوق الإنسان بل ومفهوم الإنسان نفسه، وهو الإنسان الغربى عامة والأمريكى خاصة.. وما عدا هذا فالإنسان لا يوجد على الأرض»!
الآن، فى ذكرى ميلاد د. الراعى، نشعر بمدى افتقادنا لذلك المفكر العظيم، وافتقادنا لصوته المولع بوطنه، وإيمانه العميق بالتحرر والديمقراطية، ورؤيته العميقة للثقافة بصفتها جزءًا من عملية تطوير المجتمع والتقدم به، وليست مجرد تأملات ضبابية. فى ذكراك نقول لك: «يتفتح اسمك فى كل الفصول، لا يذبل ولا يغيب».