رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأحد 25 أكتوبر 2020 الموافق 08 ربيع الأول 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
جمال طه
جمال طه

كيف أجبر التدخل المصرى تركيا على مراجعة مخططاتها فى ليبيا؟

الخميس 23/يوليه/2020 - 07:15 م
طباعة
اهتمام مصر بالأزمة الراهنة فى ليبيا يستند إلى حق الدفاع الشرعى عن النفس فى مواجهة التنظيمات الإرهابية التى ذبحت المصريين، وعبرت الحدود لتنفيذ عمليات إرهابية ضد مواطنينا بالصحراء الغربية والصعيد والدلتا.. خلال تفقده المنطقة الغربية العسكرية، بحضور ممثلين عن القبائل الليبية ٢٠ يونيو، دعا الرئيس السيسى إلى وقف إطلاق النار بين الجيش الوطنى وميليشيات السراج، عند نقطة الاشتباك الحالية، على حدود مدينة «سرت» وقاعدة «الجفرة»، وأكد أن تجاوزهما يعتبر «خطًا أحمر» لأمن مصر القومى.. على الفور خرجت تظاهرات شعبية فى مدن شرق ليبيا، تعرب عن دعمها ما أعلنه السيسى.. لكن احتمالات تدخل مصر المباشر فرضت عددًا من الإجراءات لتقنين ذلك.
مجلس النواب الليبى رحب بما جاء فى كلمة السيسى، ودعا مصر لاتخاذ «ما تراه مناسبًا لحفظ الأمن القومى للدولتين»، كما أكد أن للقوات المسلحة المصرية حق التدخل لحماية الأمن القومى الليبى والمصرى، إذا رأت أن هناك خطرًا داهمًا وشيكًا يطال أمن البلدين، وشدد على أن التصدى «للغزاة» يضمن استقلالية القرار الوطنى الليبى، ويحفظ سيادة ليبيا ووحدتها، ويحفظ ثروات ومقدرات الشعب.. وفد المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان ليبيا وصل إلى القاهرة ١٥ يوليو، ممثلًا لكل القبائل فى الشرق والجنوب والمهاجرين، فضلًا عن الغرب الذى يخضع لسيطرة حكومة السراج. الوفد أعلن عن تأييد القبائل دعوة مجلس النواب للجيش المصرى بالتدخل عسكريًا حال وجدت تهديدات تركية وإرهابية للأمن القومى للبلدين.
مجلس الدفاع الوطنى المصرى فى اجتماعه ١٩ يوليو، أكد أن القاهرة لن تدخر جهدًا فى دعم ليبيا، وشدد على ضرورة وضع حد للتدخلات الخارجية فى ليبيا.. ومجلس النواب المصرى وافق بالإجماع ٢١ يوليو، على إرسال عناصر من القوات المسلحة المصرية، فى مهام قتالية خارج حدود الدولة المصرية، للدفاع عن أمنها القومى فى الاتجاه الاستراتيجى الغربى، ضد أعمال الميليشيات الإجرامية المسلحة والعناصر الإرهابية الأجنبية إلى حين انتهاء مهمة القوات.

وعلى مستوى المواجهة الميدانية، فقد أثبتت الحرب الليبية على مدى الشهور الماضية استحالة التقدم دون غطاء جوى.. تركيا وفرت أسطولًا ضخمًا من الطائرات المسيرة «بيرقدار تى بى ٢»، إضافة إلى عدد من طائرات «F-16»، لكنها فوجئت بنشر منظومة صواريخ روسية متطورة مضادة للطائرات فى ليبيا هى «S-300VM Antey-2500»، تم تأمينها بمنظومة «Buk المطورة»، وهى صواريخ أرض- جو متوسطة المدى، لديها القدرة على التصدى لصواريخ كروز وللقنابل الذكية والطائرات ذات الأجنحة الثابتة والدوارة والطائرات المُسيرة، فضلًا عن قصف الأهداف الأرضية أيضًا، مما يعرقل أى محاولة تركية لاختراق خط «سرتالجفرة».. وكالة سبوتنيك الروسية الرسمية للأنباء كشفت عن أن منظومات «S-300» كانت موجودة مسبقًا لدى الجيش الليبى.. وصحيفة «ذا صن» كانت قد نقلت عن مصدر حكومى رفيع فى أكتوبر ٢٠١٨ أن المخابرات البريطانية أبلغت رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماى معلومات تتعلق بنشر روسيا نظام دفاع جويًا حديثًا من طراز «S-300».. النظام يوفر منطقة أمان جوى من «الجفرة» إلى «سرت»، يحيِّد الطيران المسير التركى، ويحرم التشكيلات المهاجمة من الغطاء الجوى اللازم لتقدمها.. ظهوره يمثل تصعيدًا جديدًا لمستوى المواجهة.. يغيِّر الحسابات.. يعدِّل المقاييس.. ويشكل إرباكًا للمخططات التركية.. أما نظام السيطرة الإلكترونية المصرى فهو الأكثر تفوقًا وقدرة على إرباك الدفاعات الأرضية والاتصالات التركية.
صحيفة «ذا صن» البريطانية أكدت أيضًا عام ٢٠١٨ أن روسيا نشرت صواريخ «كاليبر» المضادة للسفن فى ليبيا.. والجيش الوطنى قام مؤخرًا بتجربة صاروخ سوفيتى الصنع «بربحر» مضاد للسفن طراز «P-15 Termit»، مداه ٨٠ كم، وسيكون مفاجأة العمليات حال نشوب الحرب، لأنه سوف يعوق اقتراب السفن الحربية التركية من سواحل سرت، ويحول دون عمليات الإبرار البحرى، ما يعنى تحييد البحرية التركية التى تعتبر سلاحًا رئيسيًا خلال المعركة القادمة.. الجيش الوطنى نشر أيضًا دورياته البحرية بكثافة على سواحل مدن سرت ورأس لانوف والبريقة، لتأمينها، بعد أن أعلنت تركيا أنها تنوى إجراء مناورات عسكرية بحرية مقابلها، قد تنتهى بإقامة رءوس جسور على سواحلها، توطئة لاحتلالها.. ظهور الصواريخ الجديدة يفسر إلغاء تركيا المناورة، لخطورتها على سفنها الحربية، ما فرض التوقف لإعادة التقييم والمراجعة.
تركيا كانت تعول على موقف روسيا، امتدادًا للتنسيق بينهما فى الأزمة السورية، ولكن الخلافات بينهما على الساحة الليبية بالغة العمق، نتيجة رفض موسكو تعاون أنقرة مع الجماعات الإرهابية، ونقلهم كمرتزقة من سوريا إلى ليبيا، بهدف إسقاط مؤسسات الدولة الليبية، وتفكيك الجيش الوطنى، لفتح الطريق أمام الغزو التركى، والاستيلاء على ثروات الدولة.. النائب الأول لرئيس لجنة الشئون الدولية بمجلس الاتحاد الروسى، فلاديمير جاباروف، أكد أن تدخل الجيش المصرى فى النزاع الليبى يمكن أن يساعد على استعادة الدولة الليبية، ولفت إلى أن الجيش المصرى تحديدًا، هو الذى تمكن من استعادة الدولة فى مصر، بعد الإطاحة برئيسها الإخوانى آنذاك محمد مرسى.. بعدها تطورت البلاد بنجاح.
هناك إجماع دولى على فرض هدنة تحول دون انفجار المواجهة العسكرية، وتفتح الباب للمفاوضات.. لكن تركيا تحايلت على تلك المطالبات باشتراط انسحاب الجيش الوطنى من سرت والجفرة، لتحقيق توازن عسكرى لصالحها، وتأكيد قدرتها على فرض شروطها.. أمريكا والعديد من الدول الأوروبية تقبلت ذلك، لكن فرنسا رفضته بحسم، لأنها تخشى من تأثير العناصر الإرهابية التى جلبتها تركيا على الاستقرار والأمن فى دول الساحل والصحراء.. كما رفضته مصر بحسم.. التوافق بين القاهرة وباريس بشأن الأزمة، أثار قلقًا شديدًا لدى أنقرة، خاصة فى ضوء التوتر الراهن بينها وبين باريس، وما يمكن أن يؤدى إليه من تعاون بين الأخيرة ومصر، بشأن مواجهة تركيا عسكريًا فى ليبيا، سواء فى صورة عمليات مشتركة، أو دعم وتسهيلات متبادلة.. وجود حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديجول على بعد ٨٠ كم من ساحل سرت يسبب قلقًا لتركيا، والاتصالات المنتظمة بين السيسى وماكرون تفرض على أنقرة مزيدًا من المراجعة.
تركيا استهانت بدور العملية الأوروبية «إيرينى» المكلفة بمراقبة تنفيذ قرار الأمم المتحدة الخاص بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، بل إنها قامت بتحدى مهمتها ورفضت الامتثال لها، وهددت بالصدام مع السفن الفرنسية واليونانية.. أمريكا تدعم الموقف التركى!؛ ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأمريكى لشئون الشرق الأدنى، حذر من أنه ينبغى لأوروبا ألا تقصر جهود منع إمدادات الأسلحة على تركيا، وإنما ينبغى أن تندد بمجموعة فاغنر العسكرية الروسية وبموسكو والإمارات ومصر!، فرنسا هاجمت الموقف الأمريكى، والدول الأوروبية بادرت بتعزيز قوة «إيرينى» البحرية لتمارس مهامها بصورة أكثر فعالية.. إيطاليا قدمت الفرقاطة «سان جورج» وطائرة دون طيار، كما قدمت اليونان فرقاطة أخرى، إضافة إلى توفير كل من فرنسا ولوكسمبورج وألمانيا وبولندا عددًا من الطائرات.
تأخر هجوم تركيا على سرت، فرضته إذن عملية مراجعة واجبة، بعد أن اتضحت جدية مصر فى الدفاع عن خطوطها الحمراء.. فمصر عندما تخوض المعركة لن تدخر سلاحًا يضمن لها التفوق وسرعة الحسم.. الميليشيات والمرتزقة التابعون لتركيا يعتمدون أساسًا على سيارات ربع نقل مجهزة بمدفع متعدد، وبدرجة أقل سيارات مدرعة خفيفة أو متوسطة، لكن تفتيش الحرب الذى تم بالمنطقة الشمالية الغربية أكد أن مصر سوف تخوض المعركة بالدبابات والأسلحة الثقيلة.. القوة الجوية التركية المخصصة للتعامل مع الأزمة الليبية ١٧ طائرة «F-16» قواعدها وتسهيلاتها الأرضية تبعد ٢٠٠٠ كم عن ميدان المعركة.. القوة الجوية المصرية تتضمن طائرات تفرض السيادة الجوية على المعارك، مثل الرافال الفرنسية، قواعدها وتسهيلاتها الأرضية أقرب، ولديها قواعد احتياطية صديقة على الأراضى الليبية.. تركيا تخصص للمعركة ٨ قطع بحرية، يمكن زيادتها بحد أقصى ١٨ قطعة.. تفتقر إلىحاملات الهليكوبتر.. القوات البحرية المصرية ترتيبها السادس على مستوى العالم، تمتلك حاملتى طائرات ميسترال، مزودة بمروحيات «كا-52» و«مى-24»، وغواصات «تايب» والفرقاطات الشبحية طراز «جوويند» وقطع بحرية خفيفة ومتوسطة تضمن التفوق الحاسم.

التدخل المصرى على نحو ما تقدم غيّر معادلات القوى فى ليبيا، الجيش التركى لا يرغب عسكريًا فى خوض المواجهة مع الجيش المصرى، وأمريكا بكل خلافاتها مع تركيا تأمل ألا تدفع رعونة أردوغان الجيش نحو المواجهة، حتى لا تنتهى بهزيمة متوقعة لحليفتها فى حلف «ناتو»، وهزيمة موازية للسلاح الأمريكى الذى تستخدمه.. التدخل المصرى غير معادلات القوى، وأجبر تركيا على المراجعة.. تصعيد الموقف مع اليونان، ربما كان ساترًا لبعض التراجع التركى فى ليبيا.. وتصريح إبراهيم قالن، المتحدث باسم الرئاسة التركية، يؤكد ذلك: «لسنا مع تصعيد التوتر فى ليبيا، ليس لدينا أى خطة أو نية أو تفكير لمجابهة أى دولة هناك، سواء مصر أو فرنسا أو أى بلد آخر..».. أحمد داود أوغلو، رئيس حزب المستقبل رئيس الوزراء الأسبق، دعا الرئيس أردوغان إلى «العمل على تفادى الصدام مع مصر فى ليبيا، وحذر من أن المواجهة بين مصر وتركيا لن تكون جيدة بالنسبة لتركيا»، ونصحه «فلتجلس وتتحدث مع مصر إذا لزم الأمر».. ظهور القوة الضاربة المصرية على الساحة أجبر الطرف الآخر على التراجع والمراجعة.. فإذا جنح للتسوية فبشروط مصر المعلنة، وإن استمر فهى قادرة على الحسم.
ترى ماذا تحمل الأيام القادمة من مفاجآت؟!.