رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الجمعة 30 أكتوبر 2020 الموافق 13 ربيع الأول 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
جمال طه
جمال طه

كيف يخطط أردوغان لحصار مصر؟

الخميس 02/يوليه/2020 - 06:50 م
طباعة
فى مقال الأسبوع الماضى تناولنا صعود وانهيار الإمبراطورية العثمانية، واقتسام القوى الدولية مناطق النفوذ التابعة لها، لكن أردوغان تمرد على الشروط العقابية التى فرضها الحلفاء، ونشر قواته فى نقاط حاكمة للإمبراطورية القديمة، تعرضنا منها لشمال سوريا والعراق، ثم قطر.. مقال الأسبوع يستكمل حلقات «الطوق» التركى.


القاعدة العسكرية فى الصومال
يعود الاهتمام التركى بالصومال إلى عام ٢٠١١ عندما زاره أردوغان وسط المجاعة، وبدأ تنفيذ مشاريع إنسانية وتنموية، تمهيدًا لفرض وجود تركى قوى، تطور إلى نفوذ عسكرى، أبرز مظاهره إنشاء أكبر قاعدة لتركيا بالخارج سبتمبر ٢٠١٧، وذلك بموجب الاتفاق العسكرى الموقع فى ١٣ أبريل ٢٠١٢، لتدريب القوات الصومالية، القاعدة تقع على بعد ١٠ كم جنوب غرب العاصمة مقديشو، على مساحة أربعة كيلومترات مربعة، تطل على المحيط الهندى، وتضم مرافق للتدريب، ومخازن للأسلحة والذخيرة، وبلغت تكلفتها قرابة ٥٠ مليون دولار، ويمكنها تدريب نحو ١٥٠٠ جندى صومالى دفعة واحدة، لمساعدة الصومال على محاربة جماعة الشباب.
تركيا وقعت مع الصومال اتفاقًا لتعزيز العلاقات العسكرية فبراير ٢٠١٤، نص على إنشاء مدارس تدريب للقوات الجوية والبحرية والمشاة.. نهاية سبتمبر ٢٠١٧ تم افتتاح الأكاديمية العسكرية التركية فى مقديشو، بمدارسها العسكرية المختلفة، وتولت تركيا تسليح الخريجين بموجب الاتفاق.. القاعدة التركية تضم أكثر من ٢٠٠ ضابط تركى، مهمتهم المعلنة تدريب أفراد الجيش الصومالى، لكن لديهم تكليفًا بالعمل على التحكم فى سواحل الصومال، وتقديم تسهيلات عسكرية لأى قوات تركية قد تصل إلى المنطقة، كما أن من مهام القاعدة الحفاظ على مصالح تركيا فى الصومال، نظرًا لقربه من مطار مقديشو الدولى الذى تتولى إدارته شركة فافورى التركية (Favori LLC) منذ ٢٠١٩، ومن ميناء مقديشو الذى يديره بيرات البيرق، صهر أردوغان وزير المالية التركى الحالى، بمقتضى اتفاقية تم توقيعها ٢٠١٣، تمتد لـ٢٠ عامًا.. وهناك اتفاق قامت تركيا بتوقيعه مع جيبوتى المطلة على مضيق باب المندب والبحر الأحمر، لإنشاء منطقة تجارية حرّة، تبلغ ١٢ مليون متر مربع، مع قدرة اقتصادية متوقعة تبلغ ١ تريليون دولار. التواجد العسكرى التركى فى الصومال يستهدف تلبية أطماع أردوغان بمنطقة القرن وشرق إفريقيا، وتأمين مرور السفن التركية فى باب المندب، والتحول إلى قوة مؤثرة فى حوض البحر الأحمر.. ثراء السواحل الصومالية بمصادر الطاقة أحد جوانب الطمع التركى، والضغط على مصر يظل هدف تركيا الاستراتيجى.. كما أن الربط بين التدريب والتسليح فتح الباب لتصدير السلاح التركى، وهو ما تسعى أنقرة لتحقيقه منذ سنوات حتى تتمكن من تطوير صناعاتها الدفاعية. تركيا تربط دائمًا بين إنشاء القواعد العسكرية، وممارسة عملية النهب الاقتصادى للدولة، أردوغان ادعى وجود عرض من الصومال للتنقيب عن النفط فى مياه المنطقة الاقتصادية التابعة لها، لكن الصومال سارع بنفى الادعاءات التركية، وزير البترول الصومالى عبدالرشيد محمد أحمد أكد أن الصومال لم يمنح تركيا امتيازًا للتنقيب عن النفط فى سواحل البلاد، حتى وإن كانت العلاقات مع أنقرة جيدة!!.

الاحتلال التركى لشمال قبرص
تركيا احتلت القطاع الشمالى من قبرص ١٩٧٤، وبمجرد دخولها فى نزاع للحصول على حصة من مصادر الطاقة شرق المتوسط قامت بإنشاء قاعدة «جتشيكالة الجوّية»، لتكون بمثابة قاعدة متقدّمة لها بالمنطقة، كما تعتزم إنشاء قاعدة بحرية ضخمة، وزيادة عدد قواتها من ٣٠ إلى ٤٠ ألفًا حتى تكون قادرة على تلبية أطماعها، خاصة فى ضوء معارضة الاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة عمليات التنقيب التركية عن الغاز الطبيعى المكتشف حديثًا قبالة السواحل الجنوبية لجمهورية قبرص.. والحقيقة أن تركيا تتعامل مع شمال قبرص باعتبارها امتدادًا للأراضى التركية، وتخطط لتحويلها إلى قاعدة عسكرية فى موقع استراتيجى شرق المتوسط، يمكن لها أن تحمى طموحاتها فى مصادر الطاقة بالمنطقة.


محاولات التسلل للسودان
السودان سلم جزيرة «سواكن» بالقرب من بورسودان لتركيا فى ديسمبر ٢٠١٧، وقيل حينها إن الغرض هو إقامة قاعدة عسكرية تركية وهو ما نفته الخرطوم بشدة، ولكن مع اتساع الجدل عن إمكانية إحياء ميناء الجزيرة لكى يصبح قاعدة عسكرية بحرية تسمح لتركيا بالتواجد على الممر المائى الحيوى فى البحر الأحمر خرج إبراهيم الغندور، وزير الخارجية الأسبق، ليعترف بأن «الترتيبات العسكرية مع تركيا ممكنة»، قاصدًا إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية فى الجزيرة، تشرف على البحر الأحمر حيث تمر ١٤٪ من تجارة النفط العالمية. القاعدة التركية فى «سواكن» كان يمكن أن تغلق المثلث الاستراتيجى التركى الذى يتصل بقواعدها فى قطر والصومال، مما يفسر الاتفاق على تحمل قطر تكلفة إنشائها، لتضمن استكمال حصار الجزيرة العربية، وفرض النفوذ التركى على البحر الأحمر، فضلًا عن تهديد المدن الرئيسية غرب المملكة العربية السعودية، وغرس «شوكة» فى ظهر أمنها القومى، وممارسة الاستفزاز ضد مصر، لأنها قد تمثل تهديدًا لحركة الملاحة الوافدة لقناة السويس، ما يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومى العربى ككل.. تركيا تستثمر ذلك لتعزيز موقعها الاستراتيجى داخل حلف «ناتو»، إلا أن الإطاحة بنظام البشير وإعلان المجلس العسكرى السودانى إلغاء الاتفاقيات التى أبرمها نظام البشير مع أردوغان بشأن سواكن أبريل ٢٠١٩، قد أهدر كل ذلك.


محاولات التسلل إلى اليمن
تركيا تسعى للتسلل إلى اليمن، نظرًا للأهمية الاستراتيجية للمناطق المطلة على خليج عدن ومضيق باب المندب والبحر الأحمر، وذلك عوضًا عن قاعدة «سواكن»، وبالتكامل مع قاعدة «مقديشو».. وتعتمد فى ذلك على التنسيق مع قطر، خاصة فيما يتعلق بالتمويل، وعلاقتها الخاصة مع حزب الإصلاح الإخوانى، فضلًا عن بعض الشخصيات السياسية النافذة فى الحكومة اليمنية، المقربة من الإخوان، مثل وزيرا النقل والخدمة المدنية المستقيلان صالح الجبوانى ونبيل حسن الفقيه.
الأنشطة التركية بدأت تحت غطاء منظمات الإغاثة الإنسانية، وأبرزها هيئة الإغاثة الإنسانية التركية «IHH» التى عملت بمحافظة عدن، واهتمت بثلاث مناطق ساحلية «شبوة، سقطرى، ومنطقة المخا بمحافظة تعز»، كما اهتمت بالوصول إلى ميناء بلحاف الاستراتيجى المختص بتصدير الغاز والنفط، للسيطرة على السواحل المطلة على بحر العرب ومضيق باب المندب، لاستخدامها كبوابة للتدخل التركى، خاصة أنها توفر الدعم والإمداد عن طريق قواعدها فى الصومال وقطر.. وظهرت التدخلات التركية جنوب اليمن إلى العلن بعد ذهاب الجبوانى وزير النقل المقال إلى أنقرة، وتنويهه باتفاقات غير قانونية مع السلطات التركية أواخر ٢٠١٩، كان أبرزها تأجير الموانئ والمطار للسلطات التركية!!. تركيا تستهدف تفكيك الحكومة الشرعية والتحالف العربى، وتمهيد الطريق لتدخلها عبر شخصيات محسوبة على تيار الإخوان الموالى لقطر وتركيا بشكل كامل عن طريق القيادى الإخوانى حمود سعيد المخلافى، المقيم فى تركيا، ويتردد على قطر وعمان، الذى أعلن نهاية أغسطس ٢٠١٩ نيته فتح معسكرات تدريبية، أخطرها تلك الموجودة بأطراف جبال الحجرية القريبة من مضيق باب المندب فى تعز، وفى شبوة التى تسربت صور ومعلومات عن لقاءات جمعت محافظها الإخوانى بن عديو مع ضباط مخابرات أتراك دخلوا البلاد من منافذ المهرة تحت ساتر منظمات إنسانية داعمة.. وتستهدف تلك المعسكرات إقامة ألوية عسكرية، تمولها قطر.. المخلافى دشن معسكرًا تدريبيًا خارج إطار الدولة يحمل اسم «معسكر حمد» بمنطقة يفرس، مديرية جبل حبشى، عرضت «الجزيرة القطرية» مقاطع فيديو لأفراده من أعضاء جماعة الإخوان وهم يؤدون استعراضات وتدريبات عسكرية وشعارات تعاهد المخلافى على السمع والطاعة!!.. المذكور دعا أبناء تعز للعودة من الحدود الجنوبية للسعودية ليكونوا قوام هذه الألوية التى تدعمها قطر.


ليبيا الحلقة المفقودة
نظرة واحدة على خارطة التواجد العسكرى التركى فى الخارج، تؤكد أن اختيار مواقعها لم يتم جزافيًا، وإنما بناء على معايير تستهدف فرض حصار محكم على مناطق النفوذ العثمانى القديمة تبدأ من «سوريا» لتستكمل نظيراتها فى «العراق»، تطويقًا للمشرق العربى، ويمتد بقوس استراتيجى إلى «قطر»، لتشرف على الخليج والجزيرة العربية، ومنها بمحور مباشر إلى الصومال «مقديشو»، إضافة إلى طموحاتها فى السودان واليمن التى لم تكتمل.. الطوق التركى انقطع فى ليبيا قبل أن يصل إلى شمال قبرص.. هذه الحلقة المفقودة لو تم استكمالها، يكون الطوق التركى قد فرض نقاط قفز نشطة على منطقتى المشرق والجزيرة العربية، والبحر الأحمر ومضيق باب المندب، ومنطقة شرق البحر المتوسط، حيث تقع ثروات الغاز والنفط، التى تطمع فيها تركيا، وتسعى بالبلطجة إلى الحصول على نصيب الأسد منها، دون وجه حق.
تركيا تعمل جاهدة على استكمال هذه الحلقة بالبدء فى إنشاء ثلاث قواعد عسكرية، الأولى بقاعدة «الوطية» الجوية، الثانية بقاعدة «مصراتة» البحرية، والثالثة للقوات الخاصة ومشاة البحرية وسلاح الجو فى «طرابلس».. وهو ما تناولناه فى مقالنا «القواعد التركية بليبيا ومخاطر عملية (البحر المفتوح)»، المنشور بجريدتنا الغراء «الدستور» فى ١٩ يونيو الماضى، وقد استكملنا هنا باقى حلقات «الطوق» التركى.. التأثير الاستراتيجى لتلك القواعد على التوازنات بالمنطقة، ربما يبقى لعشرات السنين، تظل تركيا خلالها فى حالة ترقب، لانتهاز الفرصة المناسبة، لتتمدد تحقيقًا لحلم استعادة الإمبراطورية العثمانية، ما يفرض استخدام كل الأدوات والوسائل المتاحة لمنع استكمالها، بما فيها القوة العسكرية.