رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 23 يناير 2021 الموافق 10 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د. منى حلمى
د. منى حلمى

رئيسة مجلس إدارة العالم أوصلت العالم إلى التشيؤ والأوبئة

الأحد 21/يونيو/2020 - 07:26 م
طباعة

فى مجتمعاتنا العربية يعيش الحب بين الرجال والنساء أزمة كبرى، من خلال قصة حب عربية نستطيع استخلاص كل الأمراض الحضارية التى يئن منها المجتمع العربى، الرجل الذى يعلن عن حبيبته فى مجتمعاتنا كأنه يعلن عن «فضيحة»، والمرأة التى تعلن عن حبيبها كأنها تكتب بيديها صك وأدها.
يحدث هذا «التأثيم» للحب بينما تحاصرنا أغنيات الحب ليل نهار التى تناجى الحب وتغازله وتدعو له.. ما بين تأثيم الحب فى الحياة وتمجيده فى الأغانى، تذبل ملايين القلوب وتتعطل أجمل وأعظم العواطف والطاقات.. ما بين «التأثيم» و«التمجيد» يُجبر النساء والرجال على الكذب والعلاقات السرية.
إن المجتمعات التى تعيش «الحب» فى كتمان وسرية بينما تعلنه كاسم فيلم أو عنوان أغنية، مجتمعات مريضة، متخبطة، تعيسة ومشوهة، وهى نفسها بالضرورة المجتمعات التى تحتل المراتب العالية فى نقص الحريات، وفى قلة الإنتاج وفقر الإبداع، وانتشار الاختلالات النفسية والاضطرابات الوجدانية، وتضخم النعرات الذكورية.
وحتى لا نظلم مجتمعاتنا نوضح أن الحب السوى ظاهرة استثنائية على مستوى العالم.. نسأل: هل يساعد البناء الاقتصادى والاجتماعى الذى يسود العالم أو العولمة على خلق الإنسان القادر على الحب؟.
بالطبع تختلف المجتمعات فى درجة وشكل خضوعها لتأثيرات العولمة، لكن تبقى العولمة نظامًا عالميًا يُحكم سطوته على الجميع.
إن العولمة هى تحول العالم بسبب الثورة فى الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى قرية صغيرة واحدة.. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتى وتفكك الكتلة الاشتراكية، وأخذ هذه البلاد مبدأ الحرية الاقتصادية واقتصاد السوق، أصبح التوجه الرأسمالى هو المهيمن على هذه القرية العالمية الصغيرة، وأدى انهيار البلاد الاشتراكية إلى اكتساب الولايات المتحدة الأمريكية المزيد من القوة والمصداقية لفرض نمطها الاقتصادى على بقية دول العالم.
ولهذا فإن الحديث عن العولمة يرادف إلى حد كبير الحديث عن الأمركة، حيث أصبحت أمريكا رئيسة مجلس إدارة العالم والمتحدثة الرسمية عنه اقتصاديًا وسياسيًا، واجتماعيًا وثقافيًا، وهذا ما جعل الشعوب فى أماكن مختلفة تشعر بخطر مسح الهوية والخصوصية أمام الطوفان الأمريكى الكاسح.
تعنى حضارة السوق أن الحرية المكفولة من خلال المنافسة المفتوحة، أى الطلب والعرض، هى التى تحدد قيمة الأشياء والسلع.. إن الشىء أو السلعة مهما كانت منفعتها تكون عديمة القيمة إذا لم تتحول فى السوق إلى قوة شرائية، أى فى شكل استهلاك.
ويمتد هذا المبدأ الاقتصادى الاستهلاكى إلى العلاقات الاجتماعية، بل إلى قيمة الإنسان نفسه، حيث يصبح مثل السلعة مهما كانت طاقاته وإمكانياته ومميزاته، تكون كلها عديمة القيمة إذا لم يتوافر عليه «طلب» يمكن مقايضته واستهلاكه فى سوق الشخصية الإنسانية.. فى هذا المناخ يتحول الحب بين النساء والرجال إلى «سلعة» صالحة للاستهلاك و«صفقة» تجارية عادلة.. فى مناخ استهلاكى تصبح المؤهلات الإنسانية والمكونات الشخصية للرجل والمرأة مثل السلع لها مواصفات صلاحية وشهادات جودة ومعايير للكفاءة وكتالوج تشغيل وصيانة.
بهذا يخدم الحب الروح العامة السائدة من وجود «سعر» مناسب للاحتياجات المتبادلة بين الرجل والمرأة، والهدف هو تعظيم الربح أو الفائدة، أو على الأقل تجنب الخسارة.
فى حضارة السوق يتعلم الرجل كيف يكون «جذابًا» للمرأة، وتتعلم المرأة كيف تكون «جذابة» للرجل، دون الجاذبية للسلع والعواطف تصبح عملية الاستهلاك غير ممكنة، هكذا يغترب الإنسان عن حقيقته ويدخل علاقات مع «آخر» مغترب، والنتيجة حضارة مريضة.
وهكذا تضمن حضارة السوق تحول الناس إلى قطيع كبير يتلقى الأوامر دون عنف ودون إحساس بانعدام الحرية، اللهم إلا حرية الماكينات التى تتناغم مع الماكينة الأكبر، ماكينة المقايضة والشراء والاستهلاك.. وبما أن الماكينات لا تستطيع أن تحب، تصبح العولمة عائقًا أساسيًا أمام الحب.
إن الحب السوى ابن الحرية، وفيه يعبّر الإنسان عن أعمق «عواطفه» للتواصل والانفتاح والانطلاق، وليس احتياجات يتم تبادلها وقياسها وتسعيرها.
إذن نحن فى عصر العولمة تُسلب إنسانيتنا لتدخل السوق وصالة المزادات.
إن نمط «الأمركة» السائد يقوم على التفرقة بين الجنسين والبشر والدول.. عالم قلة تملك السلطة والمال والمعرفة والسلاح والإعلام والثقافة والتعليم، مقابل أغلبية لا تملك شيئًا.. عالم مؤسس على طرف أعلى مهيمن وطرف أدنى مطيع.. عالم بالضرورة يغذى الحروب والفتن الطائفية والإرهاب الدينى والفقر.
ولأن مجتمعنا العربى جزء من العالم، فإنه يدور فى فلك العولمة ويناله بعض من أمراضها.. إن الاحتجاجات الشعبية التى تنتفض من حين لآخر فى أماكن متفرقة من العالم ترجع إلى غياب العدالة والحرية والإنسانية تحت نظام العولمة.
إنه النظام نفسه الذى أنتج أزمة «كورونا» ومأساة استمرارها إلى أجل غير مسمى، حيث الإنفاق على الأسلحة التى تقتل البشر هنا وهناك من أجل احتلال أراضى الغير ونهب مواردها وإخضاع شعوبها أكثر مما ينفق على المحافظة على صحة البشر وصحة البيئة.
العولمة إذن ليست فقط ضد الحب، ولكن ضد كل قيمة نبيلة إنسانية، ضد الصحة الجسدية والنفسية وضد السعادة وضد التكافل والتضامن والتعاطف بين البشر والشعوب.