رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الأربعاء 08 يوليه 2020 الموافق 17 ذو القعدة 1441
أحمد بهاء الدين شعبان
أحمد بهاء الدين شعبان

فى أصول العنصرية (1)

الأربعاء 03/يونيو/2020 - 06:35 م
طباعة

تفجّرت مُجددًا فى الولايات المتحدة الأمريكية حوادث العنف الاحتجاجى، فى مواجهة واقعة مقتل مواطن أسود البشرة عمره ٤٦ عامًا يُدعى «جورج فلويد»، على يد ضابط شرطة أبيض اسمه «ديريك شوفين»، استمر فى الضغط لمدة تسع دقائق متواصلة بقدمه على رقبة الضحية، الذى ما انفك يطالبه برفع قدمه، لأنه لا يستطيع التنفس، دون استجابة، حتى لفظ أنفاسه!
وفى أعقاب هذه الجريمة الجديدة اشتعل الغضب فى ولايات أمريكية عديدة، ووقعت صدامات عنيفة بين الشرطة والمتظاهرين الغاضبين فى ولايات شيكاغو، وإلينوى، ولوس أنجلوس، وكاليفورنيا وغيرها، ودفع عنف الصدامات بين المتظاهرين والشرطة إلى الاستعانة بالحرس الوطنى الأمريكى، حتى لا يفلت الزمام، ويجتاح لهيب العنف الدولة بأسرها، بل وامتدت تأثيرات الحادث العنصرى إلى بلاد أخرى خارج أمريكا، كإنجلترا، وكندا التى شهدت مظاهرات حاشدة تندد بالعنصرية فيها وفى الولايات المتحدة الأمريكية معًا.
والمتابعون لتطورات الأوضاع لا يجدون غرابة فى استفحال ظاهرة الممارسات العنصرية فى شتى مستويات الحياة الأمريكية، والحق أن هذه الممارسات لم تنقطع أبدًا، وإن خَفُتَ صداها فى فترة من الزمن، مع اتساع نطاق رفض العنصرية على مستوى العالم أجمع، والمناداة بحقوق مدنية متساوية لجميع الأعراق والأديان، وتصور البعض، مع صعود أمريكى أسود البشرة، هو «باراك أوباما»، وتربُّعه على قمة السلطة الأمريكية لمدتين رئاسيتين: ٢٠٠٨- ٢٠١٦، أن الولايات المتحدة تخطت نهائيًا عهود العنصرية والتعصب الإثنى والكراهية لـ«الأغيار»، حتى تصور البعض أن الأمريكيين بانتخابهم «أوباما» ولجوا عهد «ما بعد العنصرية»!
وعلى العكس، فالأدق أن انتخاب «باراك أوباما» أطلق موجات جديدة من العنصرية الأمريكية الكامنة، التى هالها وصول أمريكى من أصول إفريقية إلى قمة السلطة، وبدأت هذه التيارات جولة جديدة لحشد القوى، وتجميع الطاقات، وتنظيم الحركة، باتجاه تكوين إطار تحالفى، قومى أبيض، للعناصر والتجمعات العنصرية الأمريكية، يستهدف طرد الأقليات الجنسية والعرقية من الولايات المتحدة، وعلى إثر اعتداء هذه الاتجاهات القومية المتطرفة على مظاهرة سلمية مناهضة للتوجهات العنصرية، وإسقاط قتيل وعدد من الجرحى من بينها، أعلنت وزارة الأمن الداخلى الأمريكية، و«مكتب التحقيقات الفيدرالى» أنه منذ منتصف عام ٢٠١٠ «أصبح العنف العنصرى الأبيض، هو التهديد الإرهابى الداخلى فى الولايات المتحدة». ثم جاء الرد الأقوى على انتخاب رئيس من أصول سوداء، وعلى دعاوى مقاومة العنصرية والتطرف فى الولايات المتحدة، بانتخاب عنصرى شعبوى يمينى، صهيونى الهوى، متطرف، هو «دونالد ترامب» رئيسًا للولايات المتحدة، الذى لم يتوقف ليوم واحد، منذ فوزه بالرئاسة، عن افتعال الأزمات السياسية، وشن الحملات الهجومية، وإعلان الحرب الاقتصادية والإعلامية، على جميع خصومه ومخالفى سياساته، فى الداخل والخارج!
والحق أن ميراث العنصرية والعدوان وكراهية الآخرين عميق الغور فى السيكولوجية الأمريكية الأصلية، ولعلنا لم ننس أن المستوطنين القدامى للقارة الأمريكية البكر، قد أبادوا بدمٍ باردٍ وحماسةٍ شديدة ١١٢ مليون إنسان من السُكان الهنود أصحاب الأرض الأصليين، بحيث لم يبق منهم على وجه الحياة، فى إحصاء أول القرن العشرين، إلا ٥٠٠ ألف شخص فقط، وشطبوا تاريخهم وتقاليدهم وإرثهم الفكرى والحضارى الإنسانى شطبًا، بل وقلبوا وجه الحقيقة، وغطّوا أصول القضية بسيل من الإنتاج (الفكرى) المُختلق، والآلاف من أفلام السينما والمسلسلات التليفزيونية، تُمَجِّدُ «راعى البقر الأبيض»، البطل الشُجاع، الذى تصدى لعدوان البدائيين المتوحشين، ودافع عن «حقه الشرعى» فى استعمار أرضهم بأن أرداهم قتلى!
كتب «مايكل هولى إيجل»، أحد نشطاء هنود شعب سو، عام ١٩٩٦، على نحو ما يذكر «د. منير العكش»، فى كتابه القيّم «أمريكا والإبادات الجماعية حق التضحية بالآخر»: «تاريخنا مكتوب بالحبر الأبيض، إن أول ما يفعله المنتصر هو محو تاريخ المهزومين، ويا الله ما أغزر دموعهم فوق دماء ضحاياهم، وما أسهل أن يسرقوا وجودهم من ضمير الأرض! هذه واحدة من الإبادات الكثيرة التى واجهناها وسيواجهها الفلسطينيون... إن جلّادنا المُقَدّس واحد!».
نعم: إن جلّادنا المُقَدّس واحدٌ!