رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 06 يونيو 2020 الموافق 14 شوال 1441
ماجد حبته
ماجد حبته

طائرات العناية المركزة

الثلاثاء 07/أبريل/2020 - 07:45 م
طباعة
وسائل الإعلام البريطانية لا تلتفت إلا لآراء ومقترحات الخبراء والعقلاء حين يتعلق الأمر ببلادها، لكنها تبرز هلاوس، هبدات، وشطحات البلهاء والعملاء وهى تتناول شئون دول أخرى. والفارق بين الأولى والثانية يوضحه، مثلًا، تعامل جريدة «التايمز» مع فكرة تحويل الطائرات إلى غرف للعناية المركزة، فى مقابل اهتمام هيئة الإذاعة البريطانية، بى بى سى، بـ«هبدة» أو شطحة أن قصور مصر الرئاسية قد تصلح لأن تكون مستشفيات أو مراكز للحجر الصحى!.
النظرة الاستعلائية، العنصرية، أو الدوافع السياسية، قد تكون أسبابًا محتملة. لكن ما يعنينا، الآن، هو وجاهة مقترح الخبراء والعقلاء، وإمكانية تحقيقه والاستفادة منه، خاصة بعد أن ذكرت دراسة علمية، أن عدد غرف العناية المركزة، هو العامل الرئيسى فى تقدير أعداد الوفيات المحتملة فى كل دولة. ورجحت أن تكون بريطانيا هى الدولة الأوروبية الأكثر تضررًا من تفشى الموجة الأولى من فيروس كورونا المستجد، وأن تتجاوز كل دول القارة العجوز فى عدد الوفيات.
الدراسة أجراها معهد القياسات الصحية والتقييم (IHME) التابع لكلية الطب بجامعة واشنطن، استخدم فيها الباحثون البيانات المحلية والدولية، لإنشاء نموذج يتنبأ بالوفيات فى كل بلد على حدة. وانتهت إلى أن بريطانيا قد تسجل نحو ٦٦ ألف وفاة بحلول يوليو المقبل، تليها إيطاليا بنحو ٢٠ ألفًا، ثم إسبانيا وفرنسا بحوالى ١٩ ألفًا و١٥ ألف وفاة على الترتيب. وكان العامل الأساسى، كما أشرنا، ونكرر، هو عدد غرف العناية المركزة.
من هنا تأتى أهمية الفكرة التى طرحتها مجموعة من خبراء الطب والتكنولوجيا والطيران، أمس الأول، الإثنين، على الحكومة البريطانية: فكرة تحويل الطائرات الرابضة فى المطارات إلى غرف للعناية المركزة لاستيعاب العدد المتزايد من المصابين بفيروس كورونا المستجد. وطبقًا لما نقلته جريدة «التايمز» عن المجموعة فإن الطائرات، خاصة الكبيرة منها، يمكن أن تكون مكانًا مناسبًا لاستيعاب المئات، وربما الآلاف، من أسرة العناية المركزة. كما أن شركات طيران عديدة رحبت بالفكرة، لكنها ربطت تنفيذها بوجود دعم حكومى.
فكرة تحويل الطائرات إلى مستشفيات، كما ذكرت الجريدة، يمكن تنفيذها بسرعة، لو دعمتها هيئة الطيران المدنى. وغير أن استخدام الطائرات كمستشفيات معمول به فى عدد من الجيوش، نظرًا لأنها أماكن مغلقة بإحكام، ولديها أنظمة تدفق هواء كتلك الموجودة فى غرف العمليات، لتقييد انتشار الجراثيم. وتوضيحًا للفكرة، قالت كريس تارى، المتخصصة فى أنظمة الطيران، إن التعديلات التى تحتاجها الطائرات بسيطة، ويمكن تحقيقها فى غضون أيام. وكل ما تحتاجه الطائرات ذات الجسم العريض، مثل طائرات بوينج ٧٤٧ الجامبو، أو طائرات إيرباص A٣٨٠، هو إزالة المقاعد، وتحديد موقع ١٠٠ إلى ١٥٠ سريرًا، كتلك الموجودة فى وحدات العناية المركزة، وتزويدها بمعدات، مثل أجهزة التهوية وأجهزة الأكسجين.
الطائرات، بحكم طبيعتها، لديها أنظمة توصيل للأكسجين مثبتة داخلها. والأكسجين هو إحدى أهم الأدوات فى مكافحة فيروس كورونا، حيث يعانى العديد من المرضى من مشاكل فى التنفس والالتهابات الرئوية الحادة. كما أن الطائرات مثل غرف العمليات، تستخدم أنظمة تدفق خاص للهواء، وهو أمر بالغ الأهمية فى التحكم بالتلوث بالهواء، مثل الفيروسات التاجية المحمولة جوًا. وبسبب الارتفاعات العالية التى يعمل بها معظم الطائرات التى تسافر مسافات طويلة، فإنها تتمتع بأنظمة إغلاق محكمة. وهذا يعنى حماية المرضى من الهواء الملوث فى الخارج، وكذلك حماية الخارج من الهواء الملوث داخل الطائرة.
الفكرة، كما ترى، منطقية وشديدة الوجاهة، ويمكن أن تسهم، حال تحقيقها، فى مواجهة الأزمة التى تعيشها بريطانيا، التى حصد الوباء فيها أرواح أكثر من خمسة آلاف ويقترب عدد المصابين من ٥٢ ألفًا، لا يجد غالبيتهم مكانًا فى المستشفيات، كما لا توجد غرف للعناية المركزة تكفى لاستيعاب الحالات الحرجة الآخذة فى التزايد، خاصة أولئك الذين يحتاجون إلى أجهزة تنفس صناعى، حتى بعد إضافة المزيد من الأسرة إلى تلك الغرف ومحاولة مضاعفة قدرات المستشفيات. وبالطبع، ستكون الطائرات أفضل من مواقف سيارات، أو مبانى المعارض التى تم تحويلها إلى مستشفيات مؤقتة.
هنا، فى مصر، لا تزال أمامنا خيارات وبدائل عديدة، قبل أن نضطر إلى التفكير فى مناقشة مقترح كهذا. وغالبًا لن نضطر إلى ذلك، ليس فقط لقلة عدد الإصابات، ولكن أيضًا لثقتنا فى أن لدينا خبراء وعقلاء أرجح عقلًا من عقلاء هناك. بالضبط، كثقتنا فى أن لديهم مجانين أكثر جنونًا ممّن لدينا. غير أن النظرة الاستعلائية، العنصرية أو الدوافع السياسية، هى التى تجعل بعض وسائل الإعلام هناك تهتم بشطحات أو بوصفات عبثية لعلاج المصابين بالفيروس، اقترحها مصريون، بدرجة أكبر من اهتمامها بقيام مجانين بريطانيين بإحراق أبراج شبكات تليفونات الجيل الخامس (٥G)، لاعتقادهم أنها تساعد فى نقل العدوى!