رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الثلاثاء 26 مايو 2020 الموافق 03 شوال 1441
مؤمن المحمدي
مؤمن المحمدي

موشا

الأحد 22/مارس/2020 - 08:39 م
طباعة
أحمد بك شوقى، أمير الشعراء، له بيت بـ يقول:
فالموت تحت ظلال «موشا» رائع
كالموت فى ظل القنا الخطار
البيت دا، قريته وأنا مثلًا ١٠ - ١١ سنة، وما فهمتوش، وما فهمتش القصيدة أصلًا، أنا كنت أقرا، أفهم حاجات وما أفهمش حاجات، بس أهو، بحب الشعر وجرسه.
البيت دا، علق معايا أوى، وحفظته غيبًا، رغم إنى مش فاهم كلماته، لـ سبب بسيط، إن «موشا» المذكورة فى البيت، هى قرية عندنا فى أسيوط، فـ كان عاجبنى، إنه أمير الشعراء بـ ذات نفسيته، كاتب بيت عن بلد جنبنا.
بعد كام سنة، قابلتنى القصيدة تانى، وعرفت إنها بـ تتكلم عن وباء الكوليرا اللى ضرب مصر ١٩٠٢، ودا كان سبب، إنى أنفر من القصيدة، خصوصًا إنه معنى البيت: «الموت فى موشا مريع، زى الموت فى الحرب».
بس ما فهمتش برضه، إيشمعنى «موشا» يعنى؟ اللى هى قرية صغيرة، فى مركز تبع محافظة صعيدية، لـ حد ما وقع فـ إيدى، كتاب «حياة طبيب».
الكتاب دا، سيرة ذاتية كتبها الدكتور نجيب محفوظ، اللى اتسمى على اسمه نجيب محفوظ الأديب، وحاكى فيه الحكاية، من طق طق لـ سلام عليكم، بـ اعتباره كان الطبيب المسئول وقتها، من قلب القرية نفسها، من قلب الموت، قال لك إيه:
سنة ١٩٠٢، عمدة موشا كان راجع من الحج، سنتها وباء الكوليرا انتشر بين الحجيج، فـ الحكومة المصرية عملت حجر صحى فى سينا، يفحصوا اللى راجعين من الحج، ويحجزوا المصابين والمشتبه فيهم.
عمدة موشا كان سليم، فـ عدى من الحجر الصحى، إنما كان معاه ١٠ صفايح ماليهم من مية زمزم، زمزم سنتها اتضربت بـ الميكروب، إنما لو إنت جايب منها شوية، حسب كلام الدكتور نجيب، فـ الميكروب هـ يموت، مش هـ يطول فى المية.
صاحبنا كان معبيهم فى صفايح، فـ الصفايح عملت رواسب عضوية، الميكروبات اتغذت عليها وقدرت تكمل.
أساسًا، الحجر الصحى ما كانش مهتم بـ المية، أول الحاج ما رجع بلدهم، عمل إيه؟ وزع الصفايح على الأهالى. الأهالى عملوا إيه؟ لا حضرتك، ما شربوش المية، يا ريتهم شربوها، دول دلقوها فى آبار المية بتاعتهم، كل واحد خد له شوية فى كوز، راح دالقهم فى بير.
الطبيعة الجغرافية فى موشا، بـ تخلى الآبار دى كتيرة جدًا بـ المئات، وطبعًا مليانة من خيرات ربنا، غذاء لـ الميكروبات، فـ الآبار كلها بتاعة القرية اتضربت، وبدأ الوباء.
أول ما الإصابات انتشرت فى القرية، راحت الحكومة عاملة حجر صحى، لا حد يدخل القرية ولا حد يخرج. قوم واحد من الأهالى، ادى عسكرى «بيضة مشوية»، كـ رشوة يعنى، وقدر يهرب من القرية. العسكرى اتضرب ٤٠ جلدة واتحبس، إنما الوباء خرج من القرية.
المشكلة مش بس كانت تفشى الوباء فى عموم القطر المصرى، إنما إنه مصدر الوباء ما زال موجودًا، وهى الآبار المسممة، اللى من غير ما يحصل لها تطهير شامل، الوباء هـ يفضل مستمر.
إيه اللى كان مانعهم من دا؟ اللى كان مانعهم إنه أهالى موشا الكرام كانوا رافضين عملية التطهير دى، وبـ يتحايلوا عليها، بـ إنه كل واحد عنده بير مية، كان بـ يحط عليه ألواح خشب، بعدين يفرش ع اللوح حصيرة، وفوق الحصيرة يحط تراب، عشان الحكومة لما تيجى تفتش ما تلاقيش البير.
البير دا مصدر مية بـ النسبة له، وهو خايف الحكومة تنشفه فى «التطهير»، وهو مش مقتنع أساسًا إنه البير ملوث، ما المية زى الفل أهى، ونضيفة مش معكرة، ولسه مباركينها من زمزم.
الدكتور نجيب بـ يحكى معاناته، وهو بـ يشرح لـ الناس إنه «الحشرة» اللى ملوثة المية، مش ممكن تشوفها بـ عينك، ومش ضرورى «تعكره»، ثم مغامراته فى كشف الآبار، اللى الأهالى مخبيينها، اللى عدت خمسين بير ردمهم، قبل ما يبلغوه، إنه الحق يا دكتور، الوبا ضرب «ديروط»، وخرجت عن السيطرة.