رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
الخميس 29 أكتوبر 2020 الموافق 12 ربيع الأول 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
مؤمن المحمدي
مؤمن المحمدي

لا ينصح بـ القراءة لـ ذوى القلوب الضعيفة

الجمعة 20/مارس/2020 - 06:58 م
طباعة

على هامش الكورونا
جسدى غير مؤهل لـ الخلود، كل أجساد البشر غير مؤهلة لـ الخلود. كل الموجودات غير مؤهلة لـ الخلود. الشمس دى اللى هى نجم ملتهب عملاق مآلها برضه إلى الزوال، وهـ تيجى مرة تنفجر وتتبدد.
كل موجود فى هذا الكون المترامى هـ يلاقى نفس المصير، اللى بـ يفرق بين موجود وموجود آخر، هو فترة «الوجود»، من لحظة التكوين إلى لحظة الفناء، فيه اللى بـ تستمر فترته مليارات السنين، وفيه اللى بـ يزول وهو لسه فى طور التكوين.
الجنس البشرى زى أى جنس أو نوع، بـ يعيش فى أجساد تستطيع البقاء لـ فترة ما ثم تزول، السؤال هنا بقى: «الفترة ما» دى قد إيه؟
مفيش إجابة، لكننا ما سمعناش عن حد عاش مثلًا ٢٠٠ سنة، دا حتى الحاجات غير المثبتة، اللى بـ يصدقها بعض الناس، والبعض الآخر يعتبرها أساطير، ما وصلتش أكتر من ألف سنة، ثم فى النهاية يزول.
لكن هذا الحد الأقصى المفترض مش فارق فى حاجة لـ إنه الأغلبية الكاسحة من البشر لا تصل إليه، ولا حتى تقترب منه، والإنسان لما بـ يوصل مثلًا ٨٠ سنة، بـ نعتبره كدا طول، فـ الحكاية كلها محدودة جدًا.
بس هنا فيه مشكلة، هى إنه الإنسان لا يبقى بـ الضرورة حتى استنفاد كامل قدرات جسده على البقاء، دون تعرضه لـ «تدخل ما»، ممكن حاجات كتير جدًا أكبر من قدرتنا على الحصر تتدخل فى المسيرة دى، فـ توقفها: أمراض، حوادث، اعتداءات، صدمات... إلخ.
فـ السؤال هنا، إيه اللى يحدد إنه هذا الإنسان تحديدًا، هـ يكمل مسيرته، حتى يستنفد قدراته على البقاء، ولا حاجة هـ تتدخل وتنهى وجوده؟ ولو حاجة هـ تتدخل إيه الحاجة دى؟ وإمتى؟
عندنا هنا إجابات كتير، بس خلينا نقول إنها بـ تدور فى فلك ٣ إجابات:
إجابة المؤمنين: هناك إله واجد لـ كل الموجودات، مدبر لـ كل الشئون، صاحب القرار الوحيد، يعنى «الأعمار بيد الله».
إجابة الملحدين: مفيش حاجة بـ تحدد، والأمر خبط عشواء، وهى دى الدنيا.
إجابة اللا أدريين: نحن لا نمتلك إجابات.
كويس، التلات إجابات دول هم إجابة واحدة فى الواقع، لـ إنه اللى مؤمن بـ وجود إله، مؤمن كمان بـ إنه الإله ما اداش سره لـ حد، بـ التالى، محدش يعرف.
فى القرآن: «وما تدرى نفس بأى أرض تموت»، فى الكتاب المقدس: «من هذا الذى له سلطان على الموت وعلى الحياة، إلا الله نفسه؟».
الملحد شايفها رمية زهر، ممكن تيجى شيش، ممكن تيجى يك، يعنى برضه ما يعرفش. واللا أدرى أساسًا بـ يقول أنا ما أعرفش.
الاختلاف بين المواقف التلاتة مش هنا خالص، الاختلاف عن مصير الموجود بعد الزوال، فيه وجود بـ صور أخرى ولا مفيش، ولو فيه هـ يكون إزاى.
إنما دا مش فارق فى سياقنا هنا لـ إنه حتى الإيمان بـ وجود آخر، بعد زوال الجسد، مش بـ يخلى الإنسان زاهد فى هذا الوجود الجسدى، وعايز يروح لـ الوجود الأبدى دا أسرع.
كلنا بـ نحب «الحياة»، بـ نسب طبعًا، إنما القاعدة الغالبة، الغالبة جدًا، الغالبة جدًا جدًا جدًا، هى الرغبة فى البقاء لـ أطول فترة ممكنة.
إذن، إحنا قدام حاجتين، رغبة قوية فى البقاء + جهل بـ لحظة الفناء وكيفيتها، دا بـ يعمل إيه؟ بـ يخلى الإنسان يسير فى حياته متناسيًا تمامًا تمامًا إنه معرض فى كل لحظة بـ يعيشها «كل لحظة حرفيًا» إنه مسيرته تتوقف هنا، أو إنها تقترب عن المتوقع، وإنه ما جعله يعبر اللحظة، لـ حد اللحظة اللى بعدها، هو إنه نجا، فقط نجا، ونجا مؤقتًا كمان.
صحيح إنه التذكير بـ الموت حصل وبـ يحصل وهـ يحصل من ناس كتير جدًا: وعاظ، فلاسفة، أدباء، مبدعين... إلخ، إنما الواحد بـ يحس إنه مجرد كلام.
حتى الواعظ نفسه بـ يردد الكلام دا، من غير ما يكون له تأثير عليه هو شخصيًا. فـ الناس عايشين بـ الأمل، كله عنده أمل إنه النجاة دى هـ تستمر، وعشان يقوى هذا الأمل، البشر لا يستحضرون الموت بـ أى صورة، سيرة الموت نفسها مقبضة، والناس مش بـ تحب تجيبها.
بس الناس فعلًا بـ تموت، كل يوم فيه ناس بـ تموت، نعمل إيه؟ نصطنع مهابة وجلال كدا لـ الموت، هدفها الظاهر هو احترام الميت، إنما فعليًا مش كدا، أنا بـ أشوفها نوع من تغليف الحدث، لـ إبعاده عننا.
تعظيم الميت وكل الطقوس المصاحبة، هدفه الأساسى هو جعل الحدث «استثنائيًا»، وكونه «استثنائيًا»، فـ هو بعيد عننا.
لما بـ نسمع خبر موت شخص، أول حاجة بـ تيجى فى ذهننا هو مات إزاى؟ مع إنه مش فارق خالص مات إزاى، دا لو كان هو اللى يهمك، إنما «مات إزاى» دى، نوع من الاطمئنان إننا بعيد.
كل ما تبقى طريقة الموت بعيدة عن ظروفى الحالية، بـ يحصل اطمئنان أكتر، وكل ما تبقى قريبة نبدأ نردد: «اللهم احفظنا»، «ربنا يستر».
الطريقة دى بـ تخلى البشر عايشين، وكـ إنهم بعيد عن هذا الخطر، فـ بـ يفضلوا عايشين ومكملين، ويؤدوا أدوارهم فى الحياة «عادى».
اللحظة اللى إحنا عايشينها دلوقتى، الكوكب كله أقصد، سببها إنه فيه حدث ما عطل هذه الطمأنينة الإنسانية «الزائفة». اللى هو فيه فيروس، وفيروس منتشر أوى، بـ التالى «احتمال» إصابتى بيه كبير، طيب لما يصيبنى، فيه «احتمال» إنه يموتنى. يا لهوى يا امه، يا سنتى السودا يا أنا، لا لا، أنا مش عايز كدا، فـ يركبنا جميعًا الفزع.
مع تعطل «الأمل الزائف فى النجاة»، يتوقف الإنسان عن استكمال حياته، وأداء دوره، ويبقى كل تفكيره فى درء هذا «الخطر الداهم»، ومحدش يقدر يشوف الصورة، لـ إنك عشان تشوف، محتاج تركز، وعشان تركز محتاج تهدا، بس منين نجيب الهدوء؟
عن نفسى، أنا هادى جدًا، لـ إن الأمل الزائف لم يتعطل عندى، لـ إنه أساسًا ما كانش موجود.
أنا ماشى فى هذه الحياة من صغرى، وأنا عارف إنه كل لحظة ممكن تبقى الأخيرة، مع الوقت بدأت أتصالح مع الفكرة، بـ التالى، كل لحظة بـ النسبة لى، تحمل خطرًا داهمًا، بـ آخد حذرى منه على قد ما أقدر، ولما بـ يمر، بـ أحتفل بـ انتصارى «المؤقت»، متقبلًا إنه هـ تيجى اللحظة، ومش هـ أنتصر، وهـ تكون الهزيمة الأولى والأخيرة.
لكن، بـ ما إنه كل لحظة قد تكون الأخيرة فـ أنا بـ أقضيها كلها، مستغرقًا فيها حتى الثمالة، مش عايز أضيع وقت يسبق لحظة الهزيمة، ومن حسن الحظ إنى مش هـ «أعيش» لحظة الهزيمة دى.
دا مخلينى شوية قادر أشوف الصورة دلوقتى، إحنا بـ نواجه فيروس أقوى من «المعتاد»، تمام، هل من وسيلة تبعد عننا هذا الفيروس نهائيًا؟ الإجابة: لأ، كلنا هـ نصاب بـ هذا الفيروس، انسى أى كلام وأى استعدادات، وأى بلح فى البلح.
حلوة صور عود الكبريت اللى بـ يطلع من الصف، فـ يمنع النار عن الأعواد الأخرى، حلوة، إنما أولًا: قاسية جدًا، لـ إنك مش بـ تبص لـ الأعواد اللى اتحرقت فعلًا.
ثانيًا: بعيدة عن الواقع، أصل العود دا هـ يخرج من الصف، هـ يروح فين؟ ما كلها منفدة على بعضها.
عطلنا الحياة والدنيا والدين، وكل واحد قعد فى بيتهم، مش بـ يعمل غير إنه يرش سبرتو على نفسه، وعلى كل الحاجات، وكل واحد بعد عن التانى مترين، تمام.
وأنا شايف إنه دى حاجات ضرورية لـ كسب الوقت فى المعركة ضد الفيروس، لكن من ناحية تانية وبعدين؟ بعدين هـ تتوقف الإصابات. وبعد ما تتوقف الإصابات؟ هـ نفضل كدا قد إيه؟ أسبوع، اتنين، شهر، اتنين؟ وبعدين؟
هـ يموت الفيروس؟ لأ، بـ التالى، مع أول دورة حياة هـ يرجع تانى لـ الانتشار، بـ التالى، مفيش أى حل لـ الموضوع، غير اكتشاف طريقة لـ علاجه، لـ حد ما يكتشفوا الطريقة دى، ولـ حد ما تبقى الطريقة متاحة لـ كل إنسان، أى كلام عن إيقاف انتشاره بـ صورة نهائية ما هوش أمل ينفع أتعلق بيه.
وبناءً عليه، خطتى كـ التالى: هـ آخد بالى، أكتر شوية من المعتاد. هـ أتبع تعليمات من يقودون الأمر، هـ أجهز نفسى لـ الإصابة بيه، مش هـ أشغل بالى بـ عواقب هذه الإصابة، ولـ حد ما تيجى لحظة الإصابة، هـ «أعيش» حياتى بـ صورة طبيعية، مش جايز أموت قبلها بـ حاجة تانية خالص؟