الخميس 02 أبريل 2020 الموافق 09 شعبان 1441
خالد عكاشة
خالد عكاشة

وقائع تحطيم وترميم العظام التركية فى سوريا

الأربعاء 19/فبراير/2020 - 08:02 م
طباعة

من الواضح أن موسكو مُصرة على فرض واقع جديد على الأرض، قبل التوصل إلى أى تفاهمات جديدة مع أنقرة، عبر تنفيذها ودعمها خطوات عملياتية لتثبيت رؤيتها لآليات تنفيذ اتفاق سوتشى، مما يسمح بترسيخ وجود قوات الجيش السورى فى مناطق سيطرته الجديدة، غير مكترثة لما انطلق من التهديدات التركية، ومتجاوزة «مهزلة» المهلة الزمنية التى حددها أردوغان، بنهاية شهر فبراير، كى تتراجع القوات السورية.
الجانب الروسى قام بنشر قواته على طول الطريق الدولى بين حماة وحلب، تزامنًا مع إعلان وزارة الدفاع السورية عن فتح «ممرات إنسانية» جديدة لخروج المدنيين من إدلب. مؤخرًا أيضًا وعشية وصول الوفد التركى إلى موسكو، أذاعت التقارير الروسية أن نجاحات الجيش السورى الأخيرة وفرت فرصة لتطبيق بنود الاتفاق بشكل كامل بعدما فشلت تركيا فى القيام بذلك طويلًا.
إصرار القيادة التركية على مواصلة تمسكها بمواقعها فى إدلب السورية، والمناطق التى تحتلها منذ اندلاع الأزمة السورية، دفع الجانب الروسى إلى استباق موعد وصول الوفد التركى «عالى المستوى» إلى موسكو، بالعديد من التصريحات حول مسئولية تركيا المباشرة تجاه التصعيد الحالى، بعدم تنفيذها الشق الذى يتعلق تحديدًا بفصل المعارضة المسماة بـ«المعتدلة»، عن المجموعات المسلحة والفصائل الإرهابية التى تدار وتمول وتسلح من أنقرة، بموجب «مذكرة سوتشى» التى وقعها بوتين مع أردوغان سبتمبر ٢٠١٨. ما تراه موسكو الآن أن الهجمات العسكرية السورية موجهة حصريًا ضد «فصائل» الجماعات الإرهابية الذين يقاتلون السلطات الشرعية.. ففى معرض التلاسن الذى جرى ما بين روسيا وتركيا، وردًا على تصريحات الرئيس التركى، رجب طيب أردوغان، التى اتهم فيها موسكو ودمشق باستهداف المدنيين- أكدت وزارة الخارجية الروسية أن روسيا وسوريا تستهدفان فقط الجماعات الإرهابية، التى ينتمى عناصرها لمقاتلى «هيئة تحرير الشام»، وهو الاسم الذى تتستر وراءه «جبهة النصرة» السابقة، التى مثلت فرعًا وامتدادًا لتنظيم «القاعدة» الإرهابى فى سوريا.
فى الوقت ذاته واصلت تركيا حشد قواتها فى محيط «إدلب»، ليرتفع عدد المركبات العسكرية والدبابات فى المحافظة إلى أكثر من «٢٢٠٠ قطعة» عسكرية، وهى بذلك تضع أمام أعين الجميع دلائل خرقها مذكرة سوتشى، التى تضمنت أيضًا تفاصيل بالغة الأهمية، تتجاوز تعهد تركيا بفصل المعارضة المعتدلة عن الإرهابيين، منها ضرورة التزام أنقرة بإقامة منطقة منزوعة السلاح، وضمان حرية المرور عبر طريقى «M٤ وM٥» الدوليين، لكن لم يتم تنفيذ شىء من ذلك خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، وهى الورقة التى تمسك بها موسكو فى وجه أنقرة اليوم، لذلك لا تلقى بالًا كثيرًا إلى طلبات العسكريين الأتراك الملحة من أجل تفهم الجانب الروسى المصاعب التى يواجهونها، فروسيا تؤكد طوال الوقت أنها لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدى تجاه ما يحدث فى منطقة إدلب، فى الوقت الذى تتعرض فيه مواقع القوات السورية ومواقع روسية، منها «قاعدة حميميم» الجوية، للقصف اليومى ولهجمات الطائرات المسيرة التى كشف مؤخرًا عن تدمير اثنتين منها قرب القاعدة.
الجانب التركى يدرك ذلك جيدًا، ويعى تمامًا حجم المأزق الذى يحيطه الآن فى سوريا، لذلك لجأ كعادته لخلط الأوراق، ربما فى محاولة لصرف الأنظار أو التلويح بأى من أوراق الضغط، التى يظن أنها يمكن أن تكون ذات مفعول ما.
فبعد أسابيع مما كان يجرى بين موسكو وأنقرة من «عسل العمل» سويًا على صعيد الملف الليبى، قبيل مؤتمر برلين، على المستوى الرئاسى بين الجانبين، خرج فجأة وسط خضم الأحداث السورية المعقدة الرئيس أردوغان ليعلن أن ممثلى القيادة العسكرية الروسية، يقودون نشاطات الشركات العسكرية الخاصة فى ليبيا، والتى يعرفها العالم تحت اسم «مجموعات فاجنر»، وهو ما استدعى ردًا فوريًا من الرئيس بوتين، مؤكدًا أن هذه المجموعات لا علاقة رسمية لها بالمؤسسات الرسمية الروسية، ومعلقًا بشكل واضح أن هذه المزاعم التركية تطلق كالعادة، فى وقت يعترف فيه أردوغان «جهارًا نهارًا» بدعمه لحكومة فايز السراج.
تركيا تتحرك أيضًا على صعيد آخر تحاول عبره ترميم ما يجرى تحطيمه على الأرض السورية، فالرئيس أردوغان لم يتأخر فى العودة إلى «غزله» مع واشنطن، وأجرى اتصالًا مؤخرًا مع الرئيس ترامب، اتفق فيه وتعهد على رفع مستوى التبادل التجارى مع الولايات المتحدة إلى «١٠٠ مليار دولار». كما كلف سريعًا وزير الدفاع «خلوصى آكار» بإجراء اتصالات عسكرية مع كل من الولايات المتحدة وحلف الناتو، من أجل مناشدتهما تعزيز الدعم لتركيا فى ظل تصعيد التوتر فى منطقة إدلب شمال غربى سوريا.
فعليًا قام بعدها «آكار» بتكثيف تحركاته على هامش اجتماع الناتو فى بروكسل، حيث أجرى لقاءات مع عدد من نظرائه، بينهم الأمريكى «مارك إسبر»، وفيها أعرب الوزير التركى، عن ارتياحه لتصريحات المسئولين الأمريكيين حول آخر التطورات فى إدلب، وشدد فى هذا السياق على أهمية تقديم الولايات المتحدة و«الناتو» على وجه الخصوص مساهمة فعالة فى تسوية هذه القضية، وهى أوراق يحاول الجانب التركى إعادة إحيائها، رغم ما اعتراها من ذبول قد ينشطها إطلاق تصريح هنا، أو عقد مؤتمر مشترك هناك، فالولايات المتحدة اليوم والرئيس ترامب بالأخص يستمع عما يجرى من عسكريى بلاده، ولسان حاله يذكرهم بوعده لهم بأنه قادر على إعادة الرئيس أردوغان إلى الحظيرة وقتما شاء.
أردوغان يختبر اليوم كل الحبال الممكنة للرقص والقفز عليها معًا، فهو يدرك ومعه العسكريون الأتراك أن حواف المستنقع السورى يضيق بشدة، وبتسارع لم يحسب حسابه، فقد ظن أن الأطراف الأخرى ستنتظره لحين إعادة تدوير الإرهابيين، ومن ثم دفعهم إلى ليبيا كى يخففوا الضغط عليه فى الساحة التى ظنها قد لانت له. اليوم المعادلة انقلبت على ما يبدو رأسًا على عقب، وأصوات تكسير العظام التركية فى سوريا باتت تسمع بوضوح فى أنقرة، للحد الذى جعل الأتراك يستنجدون بصوت مسموع، فالترميم لـ«الموقف الراهن» يبدو بعيد المنال لحد كبير، أمام دفع متسارع للقفز إلى المجهول خلال أسابيع لن تطول.
ads