الجمعة 10 أبريل 2020 الموافق 17 شعبان 1441
جلال حمام
جلال حمام

«حراس الليل» عصا أردوغان الغليظة فى تركيا

الأربعاء 12/فبراير/2020 - 07:33 م
طباعة

تسبب حزب العدالة والتنمية، الذى يتزعمه أردوغان، فى إفساد مزاج المواطنين الأتراك، حيث ذكر وزير الصحة التركى، فخر الدين كوجا، أن قرابة ثمانية ملايين شخص يعالجون فى عيادات الطب النفسى خلال السنوات الثلاث الماضية، بسبب الضغوط التى يعانيها هؤلاء، وبشكل كبير، نتيجة استمرار الأزمة الاقتصادية التى تضرب تركيا فى الفترة الراهنة، وشعورهم بالكراهية المتزايدة ضدهم من شعوب المنطقة، فى ظل التدخلات الرعناء لرئيسهم فى مقدرات الدول العربية بالذات.. ومما زاد الطين بلة عليهم، سعيه الدءوب لصدور قانون «حراس الليل»، وما أدراك ما هذا القانون.

منذ صعود أردوغان لسدة الحكم فى ٢٠٠٢، وهو يحلم بأن يكون المؤسس الثانى للدولة التركية، بل يسعى لمناطحة تاريخ مصطفى كمال أتاتورك، من خلال البقاء فى الحكم حتى ٢٠٢٨، وأن يكون رئيسًا للجمهورية فى الذكرى المئوية لتأسيسها.. وعلى الرغم من حدوث خمسة انقلابات عسكرية، فإن تركيا بقيت دولة مؤسسات، وهذه كانت القاعدة الثابتة، ولكن مع حكم الإسلام السياسى الموتور بقيادة أردوغان، تحولت تركيا إلى «دولة الرجل الواحد»، ولعب الانقلاب المسرحى عام ٢٠١٦ دورًا رئيسًا فى تهيئة الظروف لسيطرة أردوغان أكثر على المؤسسات الأمنية والعسكرية، وتكتمل الصورة بقانون «حراس الليل»، المُقدم من حزب العدالة والتنمية، الذى يحكم تركيا منذ ١٨ عامًا، إلى البرلمان التركى لتمريره، وهو القانون المثير للجدل، الذى يؤكد رغبة الحزب الحاكم فى حكم البلاد دائمًا، تمامًا، مثلما جاء الإخوان إلى حكم مصر، وقالوا إنهم باقون فيه لخمسمائة سنة قادمة.

الهدف المُعلن من القانون، هو تسليح أنصار الحزب الحاكم فى المدن والبلديات، لمعاونة أفراد الجيش والشرطة، من أجل مكافحة الجريمة وحفظ الأمن، ويتكون من ١٨ مادة، وافقت لجنة المحليات فى البرلمان على تسع مواد، وسط لغط بين النخب السياسية ووسائل الإعلام، فى بلد فيه أكثر من خمسين ألف سجين سياسى ومائة ألف شخص فُصِلوا من أعمالهم لأسباب سياسية.. لكن الهدف الحقيقى من ورائه، هو هندسة وشرعنة حكم العدالة والتنمية أكثر، بتحصين أعضائه من الملاحقة القانونية، يصبغهم بصفة شبه عسكرية، لرفع معنوياتهم بعد خسارة حزبهم فى الانتخابات المحلية، والضربة الموجعة فى أنقرة وإسطنبول وأزمير وهاتاى، بالإضافة إلى تعزيز قبضة الحزب على السلطة بهذا القانون، الذى يعطى صلاحيات واسعة ومزايا مادية وواجهة اجتماعية لأعضائه، كما أنه خطوة استباقية لتأمين سطوة الحزب على المشهد السياسى، وتعزيز سطوته الأمنية قبيل أى انتخابات برلمانية مبكرة محتملة، فى ظل الحديث المتواتر داخل النخب التركية عن انتخابات برلمانية مبكرة قريبًا، بالإضافة إلى فقدان أردوغان الثقة فى الشرطة، وصعوبة شرائه ولاءات رجال الأمن والجيش، الأمر صعب المنال على حزب العدالة والتنمية وعلى أردوغان شخصيًا، فى ظل اتهامات بالفساد والرشوة والمحسوبية لعائلته ولأفراد حزبه.

إذن، فمشروع حراس الليل قانون لشرعنة وضع قائم، لأن غالبية المنتسبين لحزب العدالة والتنمية مُسلحون أصلًا، وقد اتخذ قراره وزير الداخلية سليمان صويلو، لضرب أى محاولة للتغيير السلمى عبر تداول السلطة، بل هو الوجه الحقيقى لأيديولوجية أردوغان المتطرفة، فى بناء دولة دينية قائمة على استعادة الخلافة العثمانية، و«حراس الليل» هم جنود الخلافة فى الداخل، وشركة «سادات» الخاصة هم جنود الخلافة فى الخارج، مثل «الباسيج» و«الحرس الثورى» و«فيلق القدس» فى إيران، الذين وُلِدوا من رحم ثورة الخمينى، ومن وقتها إلى الآن لم يستقر إقليم الشرق الأوسط، ولم يخف أعضاء الإخوان المسلمين حول العالم المدعومون من أردوغان حاليًا ولعهم وإعجابهم الشديد بفكرة الحرس الثورى الإيرانى، بل إنه عقب وصول الإخوان للحكم فى مصر، ظهرت فكرة إنشاء حرس ثورى مصرى، من كوادر اللجان الشعبية التى ظهرت عقب الفوضى الأمنية، وقد صرح عدد من قيادات الجماعة بذلك، ولكن ٣٠ يونيو أجهضت كل ذلك.

إذا صدر هذا القانون فإنه سيكون شهادة وفاة للحياة السياسية فى تركيا، لأنه سيصعب خلع حزب العدالة والتنمية من السلطة، فهم لن يتقبلوا الهزيمة، بل إن منافسة الحزب الحاكم فى أى انتخابات قادمة، برلمانية أو محلية أو رئاسية، ستصبح ضربًا من المستحيل، فقد يواجهها التزوير بعد هزيمة المحليات القاسية، والتى هزت ثقة الحزب الحاكم فى نفسه، وعززت من فرص المعارضة فى اقتناص مقعد الرئاسة مستقبلًا، بالإضافة إلى محاصرة وتحجيم ما تبقى من القيم الأتاتوركية، التى أهدرها أردوغان فى السنوات الأخيرة بأسلمة مؤسسات الدولة والجيش والشرطة والقضاء، وتعزيز قبضة الإسلام السياسى على مقاليد الحكم، خاصة أن أردوغان يريد أن تضاهى شعبيته شعبية أتاتورك.. هذا داخليًا.. أما خارجيًا، فإنه بسبب تعدد المصالح واختلافها بين إدارة ترامب والاتحاد الأوروبى وروسيا، تمكن حزب العدالة والتنمية من اللعب على وتر المتغيرات الدولية لكى ينفذ أجندته الداخلية.

 فأوروبا ترى أن حكم أردوغان ديكتاتورى، ومثل هذا القانون قد يحوله لديكتاتور مؤذٍ للأمن القومى الأوروبى بسبب سطوة الإسلام السياسى على البلاد، والذى يأخذها إلى التطرف.. وفى أمريكا، فإن أردوغان يراهن على إدارة ترامب فى دعم سياساته الخارجية، خاصة التدخل فى قطر وسوريا وليبيا، ويعول خلال السنوات الأربع القادمة- حال فوز ترامب بفترة رئاسية ثانية- على تعزيز فرص بقائه فى الحكم أكثر، بأن تتجاهل واشنطن إهداره قيم حقوق الإنسان وتحول تركيا لسجن كبير.

القانون فى طور الإعداد، وقد يكون بالون اختبار من الحزب الحاكم لجس نبض الأحزاب الأخرى، وكبح جماح الأحزاب السياسية الوليدة وردع طموحاتها، ويبقى مستقبله- أى القانون- مرهونًا بسيناريوهات ثلاثة.. الأول: أن يتم إقراره بأغلبية بسيطة للغاية، من تحالف بين العدالة والتنمية والحركة القومية بقيادة دولت بهجلى، الذى يتماهى معه فى ملفات عدة منذ انتخابات ٢٠١٧، حيث وُعِد بهجلى بمنصب نائب رئيس الدولة، ولم ينل شيئًا، ولكنه بقى حليفًا لأردوغان، لأنه يعلم أنه بانهيار التحالف، سينتهى دور حزب الحركة القومية من الحياة السياسية، لظهور تيارات قومية ذات خطاب أقوى وأكثر حداثية من هذا الثمانينى العجوز.. الثانى: أن يتم إقرار القانون، ولكن بتعديلات جوهرية تضع ضمانات أكبر لمن سيحمل السلاح من منتسبى حزب العدالة والتنمية، بالإضافة إلى أن يتم تعميم عمل القانون على جميع الأحزاب السياسية، بحيث لا يقتصر على منتسبى حزب العدالة والتنمية، ويتم الاختيار والتوزيع حسب نتائج الانتخابات الماضية، لتحقيق التوازن ولضمان صيانة الأمن القومى للمجتمع، من منطلق مسئولية جماعية، ولعدم استغلال الأمر سياسيًا.. والثالث: أن تقرر الحكومة التركية سحب القانون بسبب ضغوط شعبية وحزبية ونخبوية، عبر مظاهرات منددة بالقانون، خاصة أن القانون سيقضى على أى فرصة للتغيير السلمى عبر الآليات الديمقراطية.. وهذا يبدو مستبعدًا.. لماذا؟
لأنه لم يبق أمام أردوغان إلا تحويل تركيا إلى دولة ميليشيات، تضمن نتائج الانتخابات بقاءه فى الحكم، بعدما اختصر الدولة التركية فى شخصه، واحتكاره رسم سياساتها الخارجية والداخلية، والاقتصادية أيضًا، مما جلب لها كثيرًا من المتاعب والمشكلات.. ويرى أن «حراس الليل» هم من سيحمون عرشه للنهاية، حتى لو رفع الغرب يده عن حكومته المُنتهِكة قيم حقوق الإنسان، والمنبوذة دوليًا وإقليميًا بسبب سياساتها الخارجية الصدامية، وكأنما يقول للجميع: «ابقوا على دعمى، وإلا واجهتم جنود الخلافة».
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.
ads