الأربعاء 19 فبراير 2020 الموافق 25 جمادى الثانية 1441

عمرو العادلي: دور النشر لا ترحب بالقصة القصيرة (حوار)

الأربعاء 22/يناير/2020 - 12:07 م
عمرو العادلي
عمرو العادلي
نضال ممدوح
طباعة
يخوض الكاتب عمرو العادلي، مغامرة إبداعية جديدة من خلال روايته "رجال غسان كنفاني" الصادرة حديثا عن الدار المصرية اللبنانية٬ والتي يشارك بها في معرض القاهرة الدولي للكتاب.

للعادلي روايات «قبل المساء٬ الزيارة٬ رحلة العائلة غير المقدسة»، كما أن له رصيد من المجموعات القصصية «خبز أسود٬ جوابات للسما٬ حكاية يوسف إدريس٬ عالم فرانشي».

ويكشف عمرو، في حواره مع «الدستور»، كيف أنه بدأ كتابة القصة القصيرة بعد أن قرأ كتاب فن الشعر لأرسطو وتمثل فكرة المحاكاة عند أفلاطون، وكيف أن القصة القصيرة غير مرحب بها من قِبل أغلب الناشرين، فيما يحكي عن مستقبل فن القصة القصيرة ومكانه بين الأجناس الأدبية.

ــ من كُتاب القصة القصيرة الذين قرأت لهم قبل كتابة هذا الفن الأدبي؟

يوسف إدريس بالطبع، ويحيى حقي، ويحيى الطاهر عبد الله، وهناك أيضا سعيد الكفراوي، ومن الأجيال الشابة محمد عبد النبي وأحمد حمدان.


ــ ما الذي لفتك إلى الاهتمام بالقصة القصيرة؟ وكيف بدأت تجاربك الأولى في كتابتها؟

القصة هي حلم الكاتب الأول بعد الشعر، فالصور الشعرية تأتي أولا لاقتضاب التصورات فيها، وسهولة نظمها حتى ولو كانت سطحية في البداية، ثم تأتي القصة كمُهمة مختلفة، هي لا تكمل الشعر ولكنها تعبر بالسرد عن شواغل النفس، واللقطات الصغيرة في الحياة ما أكثرها، التفاصيل المنثورة هنا وهناك لا يمكن أن يستوعبها قالب أدبي إلا فن القصة القصيرة.

ــ هل قرأت شيئا عن نشأة هذا الفن القصصي أو طرائق كتابته؟

بالطبع فقد بدأت كتابة هذا الفن بعد كتاب فن الشعر لأرسطو وتمثل فكرة المحاكاة عند أفلاطون، بدأت الإرهاصة العالمية الأولى للقصة في إيطاليا، فكما يقول رشاد رشدي: بدأت القصة كنسق اجتماعي على يد رجل غريب الأطوار اسمه "بوتشيو"، كان مساعدًا للبابا في القرن الرابع عشر، تزوج وهو في السبعين من فتاة في الخامسة عشرة، وبدأ يروي النوادر التي تحدث له في قصص قصيرة من حيث الحجم فقط لا من حيث الشكل، وقد كان يحكي هذه النوادر في حجرة فسيحة أطلق عليها "مصنع الأكاذيب" كانت مثل هذه القصص تربط بين ما يحدث في المجتمع نهارًا وبين التسامر به ليلًا، وقد سُمي هذا الشكل البدائي للقصة باسم "الفاشيتيا".

ثم كانت النقلة الثانية من إيطاليا أيضًا مع "جيوفاني بوكاتشيو" وكتابه المؤسس "الديكاميرون" وهو كتاب قصصي من عيون الأدب العالمي، ويحكي بأسلوب يجمع بين وقائع حقيقية وخيال خصب عن اجتياح مرض الطاعون بلدته فلورنسا، تخيل أن جماعة من السكان هربوا من المرض وذهبوا إلى قصر بعيد عند تخوم البلدة وبدأ كل منهم يحكي قصة، وسميت هذه القصص "نوفيلا" لطولها قليلًا عن قصص بوتشيو، ولا يمكن أن ننسى أن "ألف ليلة وليلة" هو كتاب قصصي في الأساس.


كما أن للقصة القصيرة قوالب متعددة، تتعدد بتعدد القصص الجيدة عند كل كاتب، وإذا كان لدينا عشرات الكُتّاب العظام، فإن لدينا مئات القصص العظيمة، ومن ثم فإن للقصة القصيرة ألف قالب وقالب، ولا يجرؤ أحد على صبها في قالب واحد، أو على النهج بكتابتها بطريقة معينة فلكل شيخ طريقة، وكل قصة عند الشيخ الواحد لها طريقتها الخاصة، لكن عندما تنهك قواه الإبداعية، أو يغتر بها ويأخذ في تكرار نفسه، أحيانًا يحدث ذلك كثيرًا -راجع موباسان مثلًا- ونجيب محفوظ أيضًا يكتب نفس القصة أكثر من مرة.

على هذا الأساس نستطيع أن نقول أن قصة: "موت موظف" لتشيكوف خرجت من "المعطف" لجوجون، لكننا لا نستطيع أن نقول أن تشيكوف كله خرج من معطف جوجول، اللهم إلا إذا كنا نقصد المعنى العام الذي قصده تورجنيف حينما قال: "لقد خرجنا جميعًا من معطف جوجول"، وما التأثر إلا ظلال يكتشفها النقد لا تبلغ حد النقل، وما الأسد -وصدق فلوبير- إلا مجموعة من الخراف المهضومة.

ــ ما الذي يجعلك تختار إطار القصة القصيرة للكتابة دون غيره من أطر التعبير الأدبي؟ هل يتعلق الأمر بحالتك النفسية أم بطبيعة الموضوع الذي تعالجه؟ أم أن إمكانية النشر هي التي توجهك إلي هذا الاختيار؟

لو أن إمكانية النشر هي التي ستتحكم في كتابة القصة فلن أكتبها، لأن القصة القصيرة غير مرحب بها من قِبل أغلب الناشرين، ولكن طبيعة الموضوع المُعبر عنه تختلف في ذهن الكاتب، فهناك موضوعات تحتاج إلى شرح العلاقات بالتفصيل، وهذا لا تستوعبه إلا رواية، أما القصة فهي مرتبطة بالتفاصيل المكتفية بذاتها، لمحة خيال بارقة من بحر الحياة الشاسع، ولكنها في الوقت نفسه تكون معبرة عن هذا البحر في أقل عدد ممكن من الكلمات.

ــ ما الذي تهدف القصة القصيرة عندك إلي توصيله للقارئ؟ وهل تتمثل قارئك وأنت تكتب؟ ومن قارئك؟

لا أتخيل القارئ، لا أتصور أنه موجود بتصور معين، فالكتابة الجيدة هي هدفي ولا شيء غير ذلك، وفي كتابة القصة القصيرة أحاول أن تصل معاني يشعر بها كل الناس تقريبا، ولكنها جاءت تسعى لي وحدي، اختصتني في لحظة مناسبة، فأقوم بكتابتها، فلا أستطيع مجرد تصور هجر كتابة القصة القصيرة لصالح أي لون أدبي آخر.


ــ ما مدي الزمن الذي تستغرقه كتابتك لإحدي القصص القصيرة؟ وهل تواجه أحيانا بعض الصعوبات في أثناء الكتابة؟ مثل ماذا؟

يمكن لقصة أن تستغرق 4 ساعات، أو أسبوع، وربما أكثر، ويمكن لقصة أن أبدأ في كتابتها صيفا وأنتهي منها في الربيع، ويمكن أن أبدأ قصة ولا تكتمل أبدا، لا وقت معين للكتابة، الصعوبات هي ضغوط الحياة والجو العام.

ــ هل استطعت من خلال ممارستك لكتابة القصة القصيرة أن تستخلص لنفسك بعض العناصر الحرفية التي تسعفك عند الكتابة؟ مثل ماذا؟

اللغة تطور نفسها دائمًا، ولا أعرف ما المقصود بـ"العناصر الحرفية" لكن يمكن أن أشبه الكتابة بالسلم، كلما صعدت درجة أصبحت في درجة أعلى.

ــ هل تهتم في كل قصة قصيرة تكتبها بأن يكون لها مغزي بالنسبة إلي الأوضاع الاجتماعية المعاصرة؟
المغزى لابد أن يكون إنسانيًا في الأساس، وضمن هذا المغزى الإنساني الكبير تكمن الأوضاع الاجتماعية المعاصرة، وأيضا الأوضاع الاقتصادية والسياسية.

ــ كيف يكون مدخلك إلي القصة القصيرة؟ وهل يتجه اهتمامك إلي الحدث أم إلى الشخصية؟

القصة تبدأ كماء متدفق يزيل أكداس من الحصى، لا يسأل الكاتب هل هذا الدفق حدث أم شخصية، ولكن إن كان ولابد من أن يأخذ مسمى، فهو المعنى.


ــ هل تعين الزمان والمكان للحدث (أو الأحداث) التي تتضمنها القصة القصيرة أم تتركها بلا تعيين؟

أفضل تركها بلا تعيين.

ــ هل تري فيما أنجزت حتي الآن من قصص قصيرة أنه يمثل مراحل تطور متعاقبة؟ فإن كان، كيف ترى نتيجة هذا التطور؟

منذ أول مجموعة كتبتها "خبز أسود" 2007 وحتى أحدث مجموعة وفي «و» 2017 حدث بالفعل تطور، فالأدوات المستخدمة في اللغة تزداد مع مرور الكاتب بخبرات الحياة والقراءة.

ــ إذا كنت قد انصرفت عن كتابة القصة القصيرة إلى غيرها من الأجناس الأدبية فمتي حدث هذا؟ ولماذا؟

أحب الكتابة بشكل عام، فقد كتبت الشعر والقصة والرواية ورواية الأطفال، وأجريت بحثا اجتماعيا مطولا في رسالة الماجستير، وهذا يعتبر نقد، وأتمنى أن أكتب مستقبلا حكايات للكبار وكتب مدهشة لا تخضع لنوع أو تصنيف.


ــ كيف تري مستقبل هذا النوع الأدبي؟  

بالطبع سيستمر، ولكن لابد من أن يتطور، فيمكننا اعتبار يوسف إدريس ويحيى الطاهر وسعيد الكفراوي آباء لهذا الفن الجميل، لكن لا يجب أن نقلدهم، لأنهم لم يقلدوا من كانوا قبلهم، ولكنهم طوروا في كتابة هذا النوع، ويجب علينا وعلى من يأتوا بعدنا أن يطوروا هذا الفن أيضا.