الخميس 20 فبراير 2020 الموافق 26 جمادى الثانية 1441
ماجد حبته
ماجد حبته

لماذا هرب الأحمق من برلين؟

الإثنين 20/يناير/2020 - 07:50 م
طباعة
الأحمق، أو الرئيس التركى، رجب طيب أردوغان، تمكن من فرض نفسه على مؤتمر برلين، لكنه لم يتمكن من الصمود إلى نهايته، وغادر غاضبًا، أو هاربًا، و«قفاه يقمّر عيش»، والوصف يطلقه حكماء المصريين، القدامى والمحدثين، على مَن يتلقى صفعة قوية، تجعل درجة حرارة قفاه كافية لإنضاج الخبز!.
المؤتمر الدولى، الذى استضافته العاصمة الألمانية، الأحد، بشأن ليبيا، شارك فيه رؤساء ورؤساء وزراء ووزراء خارجية ١٢ دولة، وممثلو ٥ منظمات دولية. وقبل انتهاء المؤتمر اختفى أردوغان. وبعد ردود الأفعال التى أحدثها اختفاؤه، أو هروبه، حاولت آلته الدعائية تجميل وجهه، الذى يزداد قبحًا يومًا بعد آخر، وسرّبت تصريحات، زعم فيها «مصدر مقرب من الرئيس التركى» أنه «لم يغادر المؤتمر فى وقت مبكر.. بل غادر فقط قبل تناول العشاء»!.
نصحناك، أمس، بألا ترفع سقف توقعاتك أو طموحاتك، وألا تستبعد أن يلحق مؤتمر برلين بكل المؤتمرات والمفاوضات الكثيرة السابقة، التى فشلت فى إيجاد حلول للأزمة الليبية. لكن يكفى، مؤقتًا، أن ذلك المؤتمر، بمجرياته ونهاياته، برياحه وروائحه، خالف تمامًا ما أراده أردوغان. والأرجح هو أنه غادر برلين نادمًا على الجهود التى بذلها والمؤامرات التى حاكها لفرض نفسه على ذلك التجمع الدولى الذى شهد انتقادات حادة لخططه فى ليبيا، وتمت مطالبته خلاله، بمنتهى الوضوح، بالتوقف عن إرسال «المرتزقة» إليها.
من محاسن الصدف أن يتزامن ذلك مع قيام موقع «نورديك مونيتور» بنشر وثائق تثبت دعم الرئيس التركى، منذ سنة ٢٠١٢، لتنظيم القاعدة فى ليبيا، وتكشف عن وجود اتصالات بين إحدى خلايا التنظيم الإرهابى، وإبراهيم كالين، المتحدث الرسمى باسم الرئاسة التركية، وسفير توران، كبير مستشارى أردوغان. كما فضحت قيام الطرفين بمحادثات طويلة أثناء ترتيب نقل الأسلحة والمقاتلين «الإرهابيين» الأجانب من ليبيا إلى سوريا عبر تركيا.
لاحقًا، حدث العكس، وبات معروفًا للجميع أن أرودغان أرسل آلاف المرتزقة والإرهابيين إلى الأراضى الليبية، لدعم الميليشيات التى تحرك فايز السراج، رئيس ما كان يوصف بـ«المجلس الرئاسى لحكومة الوفاق الليبية». وهناك آلاف آخرون قيد الإرسال ويتلقون تدريبات فى معسكرات فى الشمال السورى أو داخل الأراضى التركية.
معروف، أيضًا، أن هؤلاء «المرتزقة» يسلكون الطريق الذى مرّت منه الدفعات السابقة: من مناطق عمليات الجيش التركى فى الشمال السورى، إلى معبر «حور كلس» العسكرى، ومنه إلى مطار غازى عينتاب ثم إسطنبول، وبعدها إلى الأراضى الليبية جوًا. وهؤلاء، قاموا بتوقيع عقود لمدة ستة أشهر، مقابل ألفى دولار شهريًا، يتكفل بها الفتى تميم بن حمد، حاكم قطر بالوكالة، كما تكفل بدفع قيمة الأسلحة وتكاليف عملية نقل الإرهابيين.
فى ختام قمة برلين، عقدت المستشارة الألمانية مؤتمرًا صحفيًا بمشاركة وزير خارجيتها هايكو ماس، وأنطونيو جوتيريس، أمين عام الأمم المتحدة، شرحوا فيه بعض ما تضمنه البيان الختامى البارد. وبحسب تصريحات ميركل، فإن «قادة أبرز الدول المعنية بالنزاع فى ليبيا، أكدوا التزامهم باحترام حظر إرسال الأسلحة إلى هذا البلد، وعدم التدخل فى شئونه الداخلية».
حظر إرسال الأسلحة إلى ليبيا تم فرضه بقرار أصدره مجلس الأمن فى ٢٠١١، ولم تلتزم به ١٢ دولة، على الأقل، باعتراف غسان سلامة، المبعوث الأممى إلى ليبيا. ومع ذلك، قالت المستشارة الألمانية إن حضور المؤتمر توافقوا على احترام ومراقبة هذا الحظر «بشكل أكثر حزمًا من السابق». غير أنها نسفت ذلك بإشارتها إلى أن الزعماء والقادة لم يبحثوا خلال قمتهم إمكانية فرض عقوبات، حال انتهاكها، مجددًا، القرار الأممى، الصادر منذ تسع سنوات، والذى لم يمسس الدول التى انتهكته، ولا تزال، أى سوء ولم تطالها أى عقوبات!.
على هذا النحو، أيضًا، جاءت تصريحات أمين عام الأمم المتحدة. أما الأهم من البيان الختامى، أو الكلام المكتوب على الورق، والذى قد يظل حبيسًا فيه، هو أن الجالية الليبية فى ألمانيا تظاهرت، على هامش المؤتمر، احتجاجًا على التدخل التركى فى بلادهم. وكان لافتًا أن ينضم إليهم أكراد، وأن يحذروا معهم من سعى أنقرة لاستغلال الفوضى فى ليبيا، وفق السيناريو نفسه الذى نفذته فى سوريا. كما كان لافتًا أيضًا أن يؤيد المتظاهرون، فى لافتات رفعوها وهتافات رددوها، العمليات العسكرية التى يقوم بها الجيش الوطنى الليبى، ضد الميليشيات الإرهابية.
أخيرًا، وسواء هرب أردوغان، أو اضطر لأسباب تخصه إلى مغادرة برلين «على لحم بطنه»، فما يعنينا هو أن المؤتمر بمجرياته ونهاياته، برياحه وروائحه، خالف تمامًا ما أراده ذلك الأحمق. وأن الصور، الثابتة والمتحركة، التى جرى تداولها، أوضحت الفارق بين اللاعبين المحترفين، والمقامرين الحمقى، وكشفت عن الوزن النسبى للدول، وأثبتت، مجددًا، أن مصر عادت واستعادت هيبتها وعافيتها وسابق دورها على الساحتين الإقليمية والدولية.