الأربعاء 19 فبراير 2020 الموافق 25 جمادى الثانية 1441
بسنت حسن
بسنت حسن

قرن الدين

الأحد 19/يناير/2020 - 08:32 م
طباعة


في قرن الدين يصير الهوس والانسياق وراء الضلالات والانجراف نحو الهلاوس هو العنوان الكبير للمشهد وتفاصيله، الفاشيون الأصوليون والاناركيون يتصارعون لتحطيم الكوكب براديكالية وغلو، في قرن الدين ينتصر عرق الريف على روائح المدن فيفوز رئيس على شاكلة ترامب في انتخابات امريكا كما فاز من قبله مرسي العياط في مصر، في قرن الدين شهدنا حروباً وغزوات وظهور جماعات انبثقت عنها جماعات كالخلية السرطانية التي تنقسم على نفسها وتنتشر وكالغدد التي تفرز حتماً ذلك الهرمون الاصولي السرطاني.. فالفكر المتشدد يقتل ويفجر تماماً كالقنابل التي تفجر وتقتل وكالفيروسات التي تتعقد وتتطور.
الجماعات التي تطلق على نفسها كل يوم اسماً جديداً وتشكل لنفسها جيوشاً كالنصرة وداعش أو الجيش الحر.. وهنا الحرية تعني العشوائية المضادة والمناهضة دوماً لكل ما هو نظامي، ثم تنضم وتتحد تلك الجماعات مع بعضها وتجتذبها رائحة الدم فيتشكل في النهاية كيان هلامي طفيلي يسمى (دولة الخلافة الاسلامية) أو (داعش) وهو وحش القرن الذي يمارس القتل والتخريب أينما حل.. وما كان لذلك الوحش ان يخيف قرننا ويخرب كوكبنا إلا عندما غرست أرجلنا في رمال الايديولوجيات الراديكالية وصرنا نحيا جميعاً في (قرن الدين).
في قرن الدين يصبح الميزوجينك واليوجيني سيداً علينا ورئيساً لاكبر دولة وحدت ولاياتها وسكانها بلا أصل أو جين يوحدهم ثم تطل وتخيم علينا أيديولوجية (استعلاء البيض) الذي ينكرها الرئيس الامريكي وفضحتها السينما الامريكية في أكثر من فيلم طرح تلك الظاهرة وتعرض لها تماماً كما فضح الفيلم الشهير (the american beaty) قيم الجمال الامريكي المزيف والمصنوع بقبح أكيد.
في قرن الدين يصير اليمين أكثر يمينية واليسار أكثر انبطاحاً واستسلاماً لقيم اليمين وابتزازه، في قرن الدين تبرر وتستخدم حقوق الانسان كمحاولة للالتفاف والمناورة لتحقيق مكاسب ومكتسبات اكثر لليمين فتجعله اكثر غلواً، في قرن الدين ينتصر الذكوري على الفيمينست والديماجوجي على كل ما يخضع للمنطق!
في قرن الدين تكثر وتعلو صيغة أفعل التفضيل وتحتكرها جماعات لنفسها وتحرم ذلك على غيرها، فهم دوماً الافضل والأصح والأجدر والأذكى والأقوى والاكثر صواباً وفعلا.. باختصار هم الفرقة الناجية!
في قرن الدين تكثر الصراعات الصغيرة والمزايدات وننسحب دوماً من معاركنا المصيرية الحقيقية الكبرى ونظن أن مغنم صغير هو جل أمانينا وبه فقط يصلح الحال والمحال ويضيع كل شيء سدىً
هل تذكرون ماذا فعلتم يا سادة بالدولة العلمانية التي قدمت ومازالت تقدم وتطرح النموذج الرحيب والمثالي على اتساع المجرة للدولة بمفهومها العمودي.. فتجسد تلك الدولة أسمى وأصدق معاني الليبرالية بلا ازدواجية أو اختلال في المعايير، الدولة التي علمنها فولتير فأحسن علمنتها، فقررت ذات يوم أن تقضي على رموز التعصب الديني في مدارسها وجامعاتها ومصالحها الحكومية ليسمو ويعلو شأن الوطن والدولة على اي شيء آخر
هل تذكرون ماذا حدث وقتئذٍ؟
لقد انتفض وقام العالم الاسلامي الثالث عن بكرة أبيه من أجل التصدي للهجمة الشرسة على الدين الاسلامي عندما منعت فرنسا - وعلى قدم المساواة - كافة الرموز الدينية مثل (الصليب) و(طاقية اليهود) و(حجاب المسلمين) ليحول المتشدقون تلك النزاهة وذلك الرشد وتلك الوجاهة لمعركة كبرى وساحات للتراشق والتشظي قادها الشيخ (يوسف القرضاوي) القابع في أحضان دويلة قطر والذي ظن - في يوم ما وفي غفلة من الزمن- انه سيصبح خوميني مصر وفقيه ثورة ٢٥ يناير المفوه.. فخطب في الجماهير ليؤسلم الثورة وملح أرضها ويجر البلاد للحكم الديني لولا تصدي السلاح المقنن متمثلاً في الجيش المصري الذي كان ومازال وسيظل جيشاً نظامياً موحداً متحداً.. قام بفض اعتصام هؤلاء المرتزقة في معركة وطنية سيشهد التاريخ فيها للجيش انقاذه للبلاد من مغبة الحكم الديني ولولا ما حدث في الثلاثين من يونيو لكنا نحيا الان في نظام حكم يقترب في فحشة من حكم طالبان وبوكو حرام والحازمون والضباط الملتحون وكأننا نعيش في تورابورا أو كابول!
ومن سينظر من نافذة بيته فلن يرى مصر بل سيشعر انه في كندهار ولكن.. هل هذا كافياً؟ أم ان معركة التنوير الحقيقة تعني وبالضرورة ان نعيش قرن العلم لا قرن الدين ودون تعارض بين الاثنين في قرن الدين تظهر سطوة الكيانات والتكتلات المفتعلة والطفيلية ونسمع عن حزب احتكر الله لنفسه فصار اسمه (حزب الله) وكأن الله له وحده وكأن ما يقوله او يفعله الحزب ما هو الا بوحي بل وأمر مباشر من الله.. بل وكأن غيره من الكيانات والاحزاب والتكتلات لا علاقة لها بالله!
في قرن الدين يفرز الغلو والتعصب دوما تعصب مضاد فيتصارع ويتنافس كل ذي معتقد مع الاخر والمتعصبون دائماً أخوة.. يحبون التعصب حباً جماً ويقزمون الأوطان ويسطحون الدين ويحصروه في الشكليات وتصير هنالك دولاً اسلامية وأخرى مسيحية ويزرع بيننا كياناً طفيلياً عنصرياً يجعل لليهود وطناً قومياً وأرضاً موعودة وهي في حقيقة الامر أراضي الغير لا أرضه ومن أجل ذلك ترتكب مجازر وتندلع حروب ولا تتوقف ولا نعرف لها نهاية حتى أطل علينا أحد رؤساء وزراء ايطاليا منذ وقت ليس ببعيد ليصف بلاده بانها بلاد مسيحية ويرفع الصليب في يده ويقول لمواطنيه: عليكم ان تقبلوا ذلك الرمز الديني او ترحلوا، تماما كما قال الحويني من قبل ان مصر دولة اسلامية ودستورها اسلامي واللي مش عاجبه يمشي!
فالى أين يمضي المواطن إذاً؟! هل يترك الانسان وطنه بعد أن صار للوطن ديناً يعلو ويسمو على مبادىء وحقوق المواطنة؟! فتترسخ ثقافة الاستقواء وتزدهر العنصرية؟
بل وينقسم العالم لدويلات اشبه بالمحميات الدينية المتناحرة التي لا تقبل الاخر وتقصيه وتسحقه لا محالة ويكون عليك إما الرضوخ او الرحيل فوطنك لم يعد لك ولم يعد يستوعبك او يحتويك او يضمك او حتى يحميك.. وتصبح نيوزيلاندا مثل أفغانستان ولا يأمن من الشرور احد.
ففي قرن الدين الدول دوماً في خطر والمواطنة أيضاً في خطر والاوطان في مهب الريح فالدول ككيانات اعتبارية لا دين لها الدين شأن فردي لا ينسحب على الكيانات أو المؤسسات او حتى الجماعات في قرن الدين يصيح المسلم قائلاً انا مسلم وافتخر، ويحذو المسيحي حذوة ويوشم الصليب على جلده ويتألم فيصيح قائلا: ها أنا ذا مسيحي وافتخر وطالما لا يسمعني احد فليرى بعينيه اذن الصليب مرسوماً على جسدي بصليبي فقط اكون موجودا وبالحجاب فقط تصبح المرأة مسلمة وتفتخر! وبالجلباب القصير فقط - لا بصحيفة السوابق - يصبح المواطن صالحاً ثم يفتخر.. فالفخر يكون دوماً بما ورثنا لا بما اقترفنا او تعلمنا او اكتسبنا.. فقرن الدين في خصومة أبدية وتاريخية مع العلم وهذا ما نعيشه اليوم.
فخر دائم بالدين لا يخلو من غلو وحماقة وخصام أبدي للعمل وللعلم ولقبول الاخر.