رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

أحمد الخميسي: القصة تستجيب للمستقبل وقادرة على معالجة قضاياه

أحمد الخميسي
أحمد الخميسي

بدأ الكاتب الكبير أحمد الخميسي كتابة القصص مبكرا، ونشر أول قصة له في مجلة صباح الخير بعنوان "رجل صغير"، ولم يكن يتجاوز الرابعة عشرة، ثم في مجلة "القصة" ثم مجلة "الكاتب" وفيها قدمه يوسف إدريس إلي القراء قصته "استرجاع الأحلام".

وفي حواره مع الــ"الدستور" تحدث "الخميسي" عن رحلته مع القصة القصيرة ومستقبلها بين الأجناس الأدبية٬ وقال إنها "تنقل خبرة شعورية، أو فكرية، أو رؤية معينة للحياة والمجتمع". وكشف عن اعتكافه حاليا على كتابة مجموعته قصصية جديدة بعنوان "أشواق شاقة". وإلى نص الحوار:

ـ أصدرت أكثر من خمس مجموعات قصصية، ما الذي لفت انتباهك إلى ذلك الفن؟

ربما تكون طبيعة القراءات الأولى هي التي وجهتني إلى ذلك الفن، من ناحية أخرى فإن القصة القصيرة تلائم طبيعتي العقلية والنفسية، وبعبارة أخرى، تلائم نفسي القصير. أعتقد أن القصة القصيرة طبيعة نفسية، فبينما يرى الروائي العالم بصفته تاريخا متطورا ممتلئا باللحظات، فإن القاص يرى العالم من خلال لحظة. وهذه طبيعة أو سمة عقلية على ما أعتقد. لذلك رأينا بعض الكتاب لا يكتبون سوى القصة القصيرة مثل أنطون تشيخوف ومحمود بدوي ويوسف إدريس في مصر وغيرهم.

- من كتاب القصة القصيرة الذين قرأت لهم قبل أن تكتب هذا الفن الأدبي؟

قرأت لكثيرين قبل أن أكتب، حتى أنني لا أستطيع أن أتذكرهم جميعا، لكن القراءات الأولى كانت الأكثر تأثيرا لأنها كانت مثل النقش على صفحة مازالت بيضاء. بالطبع يأتي يوسف إدريس في مقدمة الأدباء الذين تركوا تأثيرا ضخما في أكثر من جيل، ويذكر بهذا الصدد قول يحيى حقي:" القصة قبل يوسف إدريس شيء، وبعد يوسف إدريس شيء آخر". وكان بالقرب من بيتنا في شارع مصر والسودان فيلا قديمة مهجورة استخدم عم حجازي سور الفيلا لبيع الكتب المستخدمة، وكنت أخرج من المدرسة وألازم السور أقرأ كل ما يقع تحت يدي حتى تعتم الدنيا. كنت أقرأ كل ما أريد مقابل تعريفة لكن من دون أن يحق لي أخذ كتاب معي. قرأت السور كله في ثلاثة أشهر ثم اتجهت بعد ذلك إلى شراء الكتب من الأزبكية.

- في هذا الاتجاه ماذا ورثت عن والدك الأديب الراحل عبد الرحمن الخميسى؟

ورثت عن والدي الموهبة والاستهانة بالمال وشعوره بالكرامة وحب الناس وحرصه على أن يظل حرا، لا تخضعه هيئة اجتماعية أو سياسية، لكني لم أرث عنه خصالا أخرى كثيرة جميلة. إلا أن ما ورثته منه يكفي لكي أكون سعيدا.

ــ متى قرأت عن أصول الفن القصصي؟

جاءت قراءاتي عن أصول ذلك الفن السردي في مرحلة متأخرة، خاصة حينما نظمت ورشة للقصة القصيرة وكان علي أن أراجع المفاهيم النظرية ورؤى مختلف النقاد لذلك الفن الرفيع، وهناك الكثير من الكتب في ذلك المجال، لعل أهمها كتاب "الصوت المنفرد" لفرانك اوكونور، وكتاب "أنشودة البساطة" ليحيي حقي، وغيرها، فقد تحتم علي أن أشرح الفروق بين المشهد والقصة والخاطرة ثم أن أوضح بناء القصة وأهمية الحدث والوصف إلى آخره.

ــ ما الذي تهدف القصة القصيرة عندك إلى توصيله للقارئ؟ وهل تتمثل قارئك وأنت تكتب؟

القصة القصيرة تنقل خبرة شعورية، أو فكرية، أو رؤية معينة للحياة والمجتمع. وعلى سبيل المثال يمكننا أن نقول إن قصة نظرة ليوسف ادريس ترمي لشحذ شعورنا بالتعاطف مع الصبية الفقيرة المحرومة من اللعب، وأن قصة مثل " الحرب" للويجي بيراندللو تعلي في مشاعرنا من أهمية الحياة الإنسانية التي تضيع وتهدر تحت شعارات عامة. أما عن القارئ فإنني لا أستطيع حتى تخيله وأنا أكتب، لأن القارئ مفهوم عام ومطاط وضبابي، أي قارئ؟ المدرب على القراءة؟ أم الذي يقرأ لأول مرة؟ الشاب أم العجوز؟. لا أتخيل القارئ ولا أدعي أن لي قارئا محددا.

ــ ما الزمن الذي تستغرقه كتابتك لإحدى القصص القصيرة ؟ وهل تواجه أحيانا بعض الصعوبات في أثناء الكتابة؟ مثل ماذا؟

نادرا ما تكون ولادة القصة سهلة، دفعة واحدة، وترى القصة مكتملة أمامك، تنطق وتصيح، وأحيانا كثيرة وهذا هو الأغلب الأعم تظل تحفر في الصخر لترى الوردة. أحيانا تبدأ كتابة قصة ثم تركنها شهورا وأحيانا أعواما وأنت تفكر فيها، ثم ترجع إليها فجأة. كانت لدي قصة اسمها "أنا وأنت" في المجموعة التي صدرت بالاسم ذاته، هذه القصة ظلت مكتوبة كاملة ومركونة لدي نحو عامين، لأني كنت أشعر أن شيئا ما ينقصها، ولا أدري ما هو. بعد عامين قفزت إلى ذهني فجأة العبارة التي لابد أن تكون خاتمة: " فقط لو تقولين لي من منا الذي مات ولم يعد يرى الآخر؟". فوضعتها واعتبرت القصة منتهية. صعوبات الكتابة كثيرة، والكتابة كما يقولون سهلة على الجميع صعبة على الكاتب. صعوبات لغوية في العثور على الكلمة الدقيقة، وصعوبات في البناء الفني، بم تبدأ العمل؟ بالحدث؟ بالشخصية؟ بحوار؟ ومن أي زاوية؟. الصعوبات كثيرة ولله الحمد.


ــ هل استطعت من خلال ممارستك لكتابة القصة أن تستخلص لنفسك بعض العناصر الحرفية التي تسعفك عند الكتابة؟

الكتابة ابنة الحرفة ووليدة التدريب والممارسة، لهذا كان هيمنجواي يقول إن الكتابة ليست إلا اعادة الكتابة. وقد كتب فلوبير بعض صفحات روايته مدام بوفاري نحو ثلاثين مرة، وفي مرحلة معينة يستخلص الكاتب قوانين يسترشد بها في عمله، منها: مراجعة العمل مرة واثنتين وعشر، وتأمل كل كلمة في علاقتها بما سبقها وما يلحقها، وهو يعرف عادة بم يجب عليه أن يبدأ القصة، لكن كل ذلك لا يمنع أن مشاق الكتابة تتجدد كل مرة، مثلما أن خبرة المرأة بالولادة لا تمنع عنها ألم الولادة ولو كانت للمرة العشرين.


ــ هل تهتم في كل قصة تكتبها بأن يكون لها مغزى بالنسبة إلى الأوضاع الاجتماعية المعاصرة؟

أنا لا أضع نصب عيني هدفا اجتماعيا أو سياسيا حين أكتب، أضع في اعتباري قدرة الفكرة والوصف على نقل الحالة، وتصويرها، أما الأهداف فينبغي أن تنبثق من أعماق العمل، من بنائه، من كلية العمل ووحدته. والمؤكد أنه ما من فن إلا ووراءه هدف، لكن أي هدف؟ وكيف يقال أو كيف يكتب؟

ــ كيف يكون مدخلك إلى القصة.. وهل يتجه اهتمامك إلى الحدث أم إلى الشخصية؟

المدخل إلى كتابة القصة يتغير حسب موضوع القصة نفسها، أحيانا يكون التركيز على الشخصية إذا كانت هي العنصر الأساسي، البارز، الذي يكثف مغزى العمل، أحيانا يتقدم الحدث صدارة المشهد ليصوغ الانطباع النهائي الذي يتركه العمل. هذا يتوقف على أي فكرة ؟ وأي قصة؟


ــ هل تعين الزمان والمكان للحدث (أو الأحداث) التي تتضمنها القصة أم تتركها بلا تعيين؟

أظن أن تعيين الزمان والمكان في القصة – حتى لو كان ذلك بشكل عام – مهم جدا. يمكن القول مثلا: في الشتاء في إحدى الغابات، وبذلك أكون قد حددت الزمان والمكان، ذلك التحديد مهم في اعتقادي، وإلا أحس القاريء أنه يسبح في ضباب.

ــ هل ترى فيما أنجزت حتى الآن من قصص قصيرة أنه يمثل مراحل تطور متعاقبة؟ فإن كان فكيف تري نتيجة هذا التطور؟

الحق لا أدري إن كان ما أنجزته يمثل مراحل تطور متعاقبة أم لا. لكن المؤكد أن فهمي للقصة القصيرة قد نضج خلال رحلة الكتابة، وأنني أضع يدي عليها بشكل أكثر احكاما. لا أعرف إلى أي مدى نجحت في ذلك، لكن لدي بعض القصص التي يسعني أن أقول إنها "جيدة"، وليس كل القصص.

ــ إذا كنت قد انصرفت عن كتابة القصة القصيرة إلى غيرها من الأجناس الأدبية فمتى حدث هذا ؟ ولماذا ؟
نعم قمت بكتابة حوار لفيلمين سينمائيين في مطلع حياتي، ثم انصرفت إلى كتابة المسرح ولي مسرحية واحدة اسمها "الجبل" نلت عنها جائزة في "مهرجان أبو خليل القباني للمشرح " عام 2011، ولم تكن تلك سوى انعطافة سريعة لم أكررها رغم حبي للمسرح والسينما.


ـ كيف ترى مستقبل القصة القصيرة؟  

أنا متفائل بمستقبل القصة القصيرة وأثق أنها فن المستقبل أكثر من غيرها، وعلينا أن نتذكر أن القصة القصيرة ظهرت بعد الرواية بنحو مئة وخمسين عاما، ولو كانت الرواية تسد الاحتياج الذي تسده القصة القصيرة ما ظهرت القصة. القصة شكل يستجيب للزمن القادم، وقادر على معالجة قضاياه بشاعرية وأصالة وإيجاز.