الأحد 19 يناير 2020 الموافق 24 جمادى الأولى 1441
بسنت حسن
بسنت حسن

رزق السينما.. كان رزقًا واسعًا هذا العام

الجمعة 06/ديسمبر/2019 - 06:56 م
طباعة

روح الراحل يوسف شريف رزق الله خيمت على أجواء الدورة الـ٤١ لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى.. وكأنه أضفى من روحه عليها وأعطاها شيئًا من جماله وألقه ونبله المعهود، الذى لا يختلف عليه اثنان. لقد توج المهرجان فعالياته وبرنامجه هذا العام بفيلم تسجيلى قصير عن مشوار الراحل الكبير عنوانه «رزق السينما»، فالناقد السينمائى الكبير ومعلم الأجيال يوسف شريف رزق الله كان حقًا رزقًا للسينما ولمبدعيها ممن تحدثوا عنه، لا لرثائه بل للاعتراف والعرفان بفضله ورزقه الواسع الفياض، الذى طال الجميع وطال الدورة التى حملت اسمه وشهدت تهافتًا وإقبالا من الجمهور والرواد يكاد يكون غير مسبوق فى تاريخ هذا المهرجان، والذى كان يعنى بالنسبة له الكثير منذ تأسيسه.
لقد انفتح الجمهور غير المتخصص على فعاليات المهرجان هذا العام وجاء إليه رواد من مختلف الأجيال.. فتلمح حتمًا بين أروقته هذا العام وجوهًا لم تكن تراها من قبل.. وإقبالًا كبيرًا، خصوصًا من الشباب، فكان ذلك التهافت ملمحًا جديدًا وواضحًا استرعى أنظار الكثيرين وأعاد لذهنى ذات الألق، الذى صاحب أيضًا دورة المهرجان الوحيدة التى رأسها الراحل الكبير سمير فريد عام ٢٠١٤، فتألقت دار الأوبرا المصرية فى عهده وتزينت لاستقبال عشاق الفن السابع وهو ذات الشىء الذى حدث هذا العام فى دورة المهرجان الـ٤١ التى أتمنى أن تكون فاتحة خير وبداية جديدة تدشن لدورات قادمة تحمل ذات الألق ونشهد فيها ذات التهافت.
لقد شاهد رواد المهرجان هذا العام أفلامًا متنوعة فى مضامينها جاءت إليهم من مختلف أنحاء العالم، ناهض الكثير منها ما نعيشه اليوم من صراعات وعنصرية وحروب وإرهاب وتصدى البعض الآخر لقضايا الهوية، منتصرًا للإنسانية وللإنسان فى شتى بقاع الأرض، شاهدنا على الشاشات ما يعانيه الغير فى الفلبين والصين والهند والبرتغال وفى أوروبا، وتألقت أسماء لمخرجين كبار شاهدنا أحدث إنتاجاتهم على الشاشات مثل فيلم المخرج الفلسطينى الكبير إيليا سليمان it must be heaven، وفيلم الافتتاح «the Irish man» للعبقرى الاستثنائى المخرج الكبير مارتن سكورسيزى وأيضًا تيرانس مالك وفيلمه الإنسانى البديع والمخرجين الروسيين الكبيرين أندريه كونشالوفسكى وفيلمهما الجديد «the sin» الذى يقدم رؤية وطرحًا جديدًَا ومختلفًا لشخصية «مايكل أنجلو» والفيلم صور فى إيطاليا وتحديدًا فى مدينة فلورنسا، كذلك المخرج الروسى فيل لونجين، وفيلمه الرائع «back from Afghanistan» والذى يصور لحظة خروج وهزيمة روسيا فى أفغانستان، والذى تزامن - أو بعبارة أدق- كان أحد الأسباب الرئيسية فى سقوط الاتحاد السوفيتى.
ومن المخرجين العرب تألق المخرج التونسى مهدى البرصاوى بفيلمه «بيك نعيش» الذى حصد ٣ جوائز فى المهرجان ولاقى عرضه العالمى الأول فى مهرجان فينسيًا استحسانًا كبيرًا، كذلك فيلم «شارع حيفا» من العراق، وفيلم «أبناء الدنمارك» والذى ناقش قضية الهوية لدى المغتربين فى أوروبا وسطوة الإسلام السياسى هنالك، ومن سوريا شارك «جود سعيد» بفيلمه «نجمة الصبح» ومن فلسطين فازت المخرجة نجوى النجار بفيلمها الجديد «بين الجنة والأرض»، ومن لبنان فاز الفيلم التسجيلى «بيروت المحطة الأخيرة».
وكل ذلك ينبئ بوجود سينما عربية جديدة تزاحم على استحياء وانحاز لها مبدعون جدد استقبلهم جمهور المهرجان بما يستحقونه، وكللت إنتاجاتهم ومشاركاتهم فى النهاية بالنجاح، ومن مصر شاركت المخرجة والمنتجة المبدعة ماريان خورى بفيلمها التسجيلى العذب «إحكيلى» فى مسابقة المهرجان وفاز فيلمها بجائزة يوسف شريف رزق الله «جائزة الجمهور» عن جدارة واستحقاق بعد أن فتحت قلبها وتحدثت وحكت وانفتحت على الآخر دون مواربة أو خجل أو مداراة، وبذلك يكون المهرجان قد رسخ لقاعدة وتقليد جديد يحسب له أتمنى له الاستمرارية والدوام، وهو أن يشارك فيلم تسجيلى فى مسابقة المهرجان الرسمية، فالفيلم التسجيلى لا يقل فى قيمته أو أهميته عن الفيلم الروائى الطويل أو حتى القصير.
لقد نجحت السينما وفازت هذا العام فى مهرجانها السنوى الكبير، فازت السينما فى الانتصار لنفسها والانتصار لقيم الجمال والخير والإنسانية.
السينما فن يزاحم على استحياء من أجل الإفاقة وطرد الشرور من حيواتنا ومواجهة القبح والمنغصات التى نصطدم بها يوميًا فى مجتمعاتنا من أجل حياة أفضل ومستقبل يليق بالغد وبكل جديد.. فلتحيا السينما دومًا وليبقى شعاعها مضيئًا يضىء لنا عتمة الطريق، فالسينما تقطع الطريق على عُبَّاد القبح والعتمة بانتصارها للخير وللجمال.

ads