رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
محمد الباز

انتفاضات الشعوب متعدية للطوائف والأحزاب



فى السنوات الأخيرة اندلعت الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية فى بعض الدول الأوروبية، وأطلق عليها عدد من الكُتّاب والمفكرين «الحركات المواطينية»، وجمعت هذه الانتفاضات المواطنين المهمشين والفقراء من صغار الموظفين والمهنيين، بجانب الفلاحين والعمال والمتعطلين عن العمل، أى أغلبية المواطنين الذين تضرروا من السياسات النيوليبرالية التى تبنتها الرأسمالية المتوحشة والتى كانت نتيجتها زيادة واتساع الفجوة الطبقية بين القلة الاحتكارية التى تستحوذ على أكثر من ٨٠٪ من الثروات والباقى الذى يقل عن ٢٠٪ يتوزع على ٩٠٪ من الشعب، وأدى ذلك إلى انزلاق البشرية إلى خط الفقر مع تآكل الطبقة الوسطى وانهيارها.
هذه التحولات طالت جميع دول العالم الغنية والتى يطلق عليها الدول الكبرى أو بلدان الشمال والفقيرة «بلدان الجنوب أو البلدان النامية»، وهى الدول التى أدت فيها سياسات الأنظمة الحاكمة التابعة للرأسمالية العالمية المتوحشة إلى زيادة الفجوة الطبقية بين القلة الغنية وأغلبية الشعب الذى بات يعانى من مزيد من الإفقار وزيادة معدل التضخم وفرض ضرائب جديدة وارتفاع أسعار السلع الضرورية وضعف القيمة الشرائية للعملة المحلية، مع تردى الخدمات فى الصحة والتعليم والسكن بل وخصخصة تلك الخدمات فى العديد من الدول. وأدت أيضًا هذه السياسات إلى تكوين شريحة عليا تجمع بين السلطة ورأس المال بلا حسيب ولا رقيب، واستشرى الفساد والاستيلاء على المال العام ونهبه وإهداره، وازدادت فى نفس الوقت الأماكن ذات الأسوار العالية التى يعيش فيها علية القوم على حساب التوسع فى العشوائيات، التى يسكنها المعدمون والفقراء، تلك العشوائيات التى تهدر الآدمية والقيم والأخلاق.
أما فى البلدان الغنية أدت سياسات النيوليبرالية إلى احتكار السلطة ورأس المال مع المزيد من الصرف على التسليح وتصديره للاستفادة من أرباحه الفاحشة، وأدى كل ذلك إلى زيادة البطالة ومزيد من الإفقار بجانب تصاعد صيحات العنصرية ضد الأقليات والمهجرين. كل هذه الظروف أدت إلى تنامى وصعود حركات احتجاجية متخطية ومتعدية للأيديولوجيات والأحزاب القائمة، وتكفر بالنخبة الحالية وبسياسات الأنظمة والمؤسسات الحالية ولا تثق فيها. ولم تقتصر هذه الحركات الاحتجاحية على المهمشين بل موظفى الدولة وصغار المهنيين والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى وصغار الفلاحين والعمالة غير المنتظمة، وفى عدد من البلدان انضم طلاب الجامعات لهذه الاحتجاجات، ولم تقتصر الاحتجاجات على سكان المدن، لكن اندلعت فى الضواحى والقرى.
أطلق عدد من الكُتّاب الأوروبيين على هذه الحركات «الحركات المواطنية الجديدة» وتابع هذه الظاهرة، وكتب عنها فى جريدة الأهرام الكاتب والمفكر سمير مرقس، وتركزت المطالب على محاربة الفساد والغلاء ورفض الضرائب الجديدة وارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات، كما طالبت بتحسين الخدمات وزيادة الأجور وفرض ضرائب تصاعدية على أصحاب الثروات الكبرى، كما حدث مثلًا فى فرنسا «حركة السترات الصفراء»، وفى عدد من البلدان ارتفع شعار تغيير النظام.
وإذا تناولنا ما يحدث فى المنطقة العربية فى الشهور الأخيرة، نجد تصاعد الانتفاضات والاحتجاحات. ففى الجزائر والسودان خرج الشعب بالملايين ونجح فى السودان فى إسقاط نظام فاشى فاسد وما زال شعب الجزائر ثائرًا يخرج كل أسبوع منذ ٩ أشهر مطالبًا بتغيير النظام بكل رموزه السابقة بعد تنحى الرئيس السابق بوتفليقة تحت ضغط مطالب الشعب وثورته.
ومنذ أول شهر أكتوبر الماضى اندلعت انتفاضة كبرى فى العراق، الذى أضعفته وأنهكته ونهبته الحكومات المستمرة منذ العدوان الأمريكى على العراق فى ٢٠ مارس ٢٠٠٣، ثار الشعب العراقى على النظام الفاسد وطالب بإسقاطه «الحكومة والبرلمان والرئيس» وطالب بإنهاء نظام المحاصصة بين السنة والشيعة والأكراد. هذا النظام الذى وضعته أمريكا مع أتباعها فى الداخل العراقى وأرسته تمهيدًا لتقسيمها إلى ثلاث مناطق سُنة وشيعة وأكراد تنفيذًا للمخطط الاستعمارى الأمريكى لتقسيم الدول العربية وتفتيتها وإنهاكها. خرج الشعب العراقى ضد الطائفية والفساد والفقر والبطالة التى وصلت نسبتها إلى أكثر من ٢٥٪، خرج الشعب عابرًا للطوائف يريد دولة المواطنة.
وفى ١٧ أكتوبر الماضى خرج مئات الآلاف من الشعب اللبنانى عبر كل المدن فى بيروت والشمال والجنوب وسهل البقاع والجبل.. خرج الشعب بكل فئاته وأعماره شبابًا ورجالًا ونساء وتلاميذ المدارس وطلبة الجامعات، خرج عابرًا للطوائف والمذاهب مطالبًا بإسقاط نظام المحاصصة والطائفية المتجذر منذ نشأة لبنان عام ١٩٢٠ وتكرس بعد الاستقلال عام ١٩٤٣ فيما عُرِف بالميثاق الوطنى، وبعد الحرب الأهلية والتى امتدت سنوات «١٩٧٥ - ١٩٨٩» تم تثبيت نظام المحاصصة عبر اتفاقية الطائف ١٩٨٩، لذا خرجت الأجيال الجديدة منتفضة ضد الطائفية، التى كانت نتيجتها المحسوبية والفساد ونهب المال العام وثروات البلاد من القلة الاحتكارية الحاكمة، وكان أيضًا من نتيجتها مزيد من الإفقار لأغلبية الشعب مع تردى الخدمات فى الصحة والتعليم والسكن، وزادت نسبة البطالة إلى ٤٠٪ وقامت العلاقة بين أفراد الشعب على أساس التبعية للطائفة ومدى ولائه للطائفة، وليس على أساس المواطنة. إننا نتمنى تلبية مطالب الشعوب فى حياة كريمة فى دولة مدنية تقوم على المواطنة، وعلى العدل والحرية والمساواة.