-
الجمعة 13 ديسمبر 2019 الموافق 16 ربيع الثاني 1441
د. إلهام سيف الدولة حمدان
د. إلهام سيف الدولة حمدان

نحو إعلام جاد.. ومتطور

الجمعة 15/نوفمبر/2019 - 12:32 م
طباعة
في كل المجتمعات البشرية؛ يعكف علماء الاجتماع على دراسة التركيبة الفكرية والعقائدية والسياسية لكل شرائح المجتمع بمختلف طبقاته، وخلاصة مفاهيم علماء الاجتماع عن "التنشئة السياسية" بالذات؛ بأنها "عملية تعلم الفرد المعايير الاجتماعية عن طريق مؤسسات المجتمع المختلفة"، بداية من داخل الأسرة مرورًا بالمدرسة والجامعة، وعندما يخرج الفرد إلى مجال الحياة العملية، يأتي دورالنقابات المهنية والعمالية، والجمعيات الزراعية والحرفية، والغرف التجارية والصناعية، ومنظمات رجال الأعمال، والنوادي الرياضية والاجتماعية، فالدورالأساسي الذي تضطلع به مؤسسات المجتمع المدني هو العمل على تنشئة الفرد التنشئة السياسية؛ فهي جزء لا يتجزأ من التنشئة الاجتماعية؛ والتي من خلالها يكتسب الفرد الاتجاهات والقيم السائدة في المجتمع، كما تُعد أهم وسيلة لتصحيح الثقافة السياسية المنحرفة داخل شريحة معينة من شرائح المجتمع، ويكون من مهامها العمل الدءوب على خلق ثقافة جديدة متحضرة للعبور بالمجتمع من حالة التخلف إلى التقدم والازدهار .

ولعل التجربة الناصرية في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي؛ خير دليل على مدى صحة وفاعلية "التنشئة السياسية" وأثرها الإيجابي على المجتمع المصري في تلك الحقبة من الزمن، فقد استطاعت الدولةـ بفضل الإعلام الهادف- أن تجمع فكرالأمة حول "مشروعات قومية" عظيمة كفكرة القومية العربية، وتطبيق ثقافة الاشتراكية المجتمعية بملكية الدولة لكل المؤسسات التي تخدم الفرد والمجتمع، والالتفاف حول تنفيذ مشروع السد العالي. ولم يتأت للدولة تحقيق هذه المشروعات القومية إلا من خلال تعميق الإيمان المطلق داخل عقول الأفراد بتلك المشروعات القومية العملاقة ، وتدريب وتأهيل الكوادرالفاعلة والقادرة على التنشئة السياسية الصحيحة .

وفي تلك المرحلة الفارقة من حياتنا في مصر؛ تأتي ضرورة وجود دور"الإعلام" الفاعل والمؤثر في تركيبة شرائح المجتمع، وهنا يتوقف تشكيل وتنمية انتماء الفرد على كم وكيف المعلومات المقدمة لأفراد المجتمع خلال وسائل الإعلام المختلفة من صحافة ورقية مقروءة وإذاعة وبرامج تليفزيون؛ بل العمل على ضرورة التدخل- دون قمع- في مراقبة صفحات التواصل الاجتماعي؛ وتنقيتها من شوائب اللجان الإلكترونية التي تعمل لصالح الشرائح صاحبة "الثقافة السياسية المنحرفة" عن التوجه العام للدولة، وذلك صيانة للمجتمع ككل من العصبية والقبلية والتطرف المقيت؛ الذي يؤدي في النهاية إلى الدخول في "نفق الدم" كما نرى هذه الأيام، وآخرها حادث دير الأنبا صموئيل بالمنيا؛ والذي راح ضحيته العشرات من الشهداء الأبرار، ولم يفرق الإرهاب الغبي بين طفل وشيخ وامرأة، فالإرهاب لاانتماء له ولا دين ولا وطن!

إذن .. فدور الإعلام داخل المجتمع من أهم العوامل المؤثرة في تحديد المواقف وتشكيل الاتجاهات التي يعتنقها أو يتبنَّاها الأفراد تجاه القضايا المتعلقة بالبيئة السياسية، وأهمية الانحياز لتوجهات الدولة ومواد دستورها الحاكم، طالما تسير في اتجاه صالح الفرد والمجتمع ككل، وهو ما يُعرف بالتأثير الإعلامي على السلوك العاطفي؛ والقيام بتنمية الوعي الثقافي والمعرفي بكل القضايا المحيطة بالمجتمع .

ومن الضروري أن يلعب "الإعلام الوطني/الوطني" الدورالرئيس في التئام شمل الجماهير بالمشاركة الشعبية داخل البرامج المختلفة في صنع القرارات الجادة والمصيرية، وهذا لن يتوافرإلا إذا قامت أجهزة الإعلام بتقديم المعلومات الكافية والصحيحة للأفراد؛ وبإصدار النشرات الدورية التي تعلن آخر المستجدات على الساحة الاجتماعية والسياسية؛ حتي يكون التفاعل بهذه البرامج على مستوى عالٍ من المصداقية والشفافية؛ والمعاونة على التأهيل القوي والواجب للمشاركة السياسية الفعالة، وبهذا بجني الثمارالحقيقية لفكرة "التنشئة السياسية" الإيجابية لصالح المجتمع.. من المهد إلى اللحد .

إننا نهيب بالإعلام المصري وبين يديه كل وسائل التكنولوجيا المتقدمة؛ أن يكون همزة الوصل بين فصائل الشباب الواعد وأجهزة الدولة الدولة؛ والفرصة الذهبية سانحة اليوم قبل الغد، والتأسي بما يقوم به الرئيس عبد الفتاح السيسي دائمًا؛ بالتواصل الجاد مع العناصر الشبابية بالمؤتمرات التي نود أن تؤتي ثمارها في الأجل القريب، وسرعة فتح قنوات وشرايين الاتصال بكل الأفكار الجادة التي تهدف إلى الارتقاء بمقاهيم الفرد والجماعة داخل المجتمع المصري؛ الحالم بالمستقبل الزاهر بعد طول معاناة من سياسات التهميش لكل الأيادي القادرة على صنع التغيير إلى الأفضل والأجمل لوطننا والبشر على أرضه .

ولنا أن نبلغ بالطموحات أقصاها؛ بأن يتم العمل على إنشاء "مجلس وطني للإعلام" تتكون جُل عناصره من الشباب إلى جانب عناصرالخبرة من أساطين الصحافة والإعلام؛ الذين تزخر بهم مصر في مجالات الحياة كافة؛ أسوة بما تم في بعض الدول حديثة النشأة؛ والغريب أن معظم الكوادر الإعلامية لهذه البلاد؛ من خريجي المدارس والجامعات المصرية!

ألسنا نحن أولى بهذا "المجلس الوطني للإعلام" الذي نأمل على يد كوادره الشبابية النشطة أن نجعل "التنشئة السياسية" على رأس جدول حصص مدرسي كل المراحل التعليمية؛ من أجل محاربة "دكاكين الإرهاب" الموجودة في كل القنوات الإعلامية غيرالوطنية، والتي تلعب الدور الخفي في تأجيج نيران الإرهاب والتطرف في الأفكار والمعتقدات.. والسياسة؟

بلى.. نحن أجدر بهذا الإعلام الجاد والوطني الشريف.
فقط؛ ننتظر إشارة البدء والإنطلاق نحو إعلامٍ جاد ومتطور.. وشريف.