السبت 07 ديسمبر 2019 الموافق 10 ربيع الثاني 1441
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
صفوت البياضي
صفوت البياضي

وحدة الصف ضرورة لا ترف

الأربعاء 23/أكتوبر/2019 - 09:29 م
طباعة
هنا أبدأ بكلمات للشاعر المتميز أحمد شوقى: إِلامَ الخُلفُ بَينَكُمُ إِلاما.. وَهَذى الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما. أما الشاعر العربى أبوياسر السورى فيبدأ قصيدته بهذه الأبيات مخاطبًا الكيان العربى فيقول: قومى كالرمل إذا عدوا. وبلادى ليس لها حد.. اثنان وعشرون نظامًا. وعتاد للحرب وجند.. وعروش فيها أضداد. الحر الخالص والعبد.. وأنا منهم وهمو منى. صنوان ويجمعنا جد.
أما جوزيف أديسون فيقول: عندما أنظر إلى قبور العظماء يموت بداخلى أى شعور بالحسد، وعندما أقرأ العبارات الجميلة المكتوبة عليها تذوب بداخلى كل الرغبات الجامحة، عندما أرى عيون الآباء تقطر حزنًا عند القبور ينفطر قلبى تعاطفًا معهم، وعندما أنظر إلى قبور الآباء أنفسهم أفكر فى عدم جدوى الحزن على هؤلاء الذين سنلحق بهم سريعًا، وعندما أرى الملوك يرقدون جنبًا إلى جنب مع هؤلاء الذين انتزعوا منهم الحكم، وأرى المتنافسين أو الرجال الذين قسموا العالم بسبب أفكارهم وأثاروا بيننا النزاعات يرقدون جنبًا إلى جنب، أتدبر بحزن ودهشة المنافسات والصراعات والمناظرات بين الجنس البشرى.
وعندما أقرأ التواريخ المختلفة المكتوبة على القبور لبعض الذين توفوا بالأمس والذين توفوا منذ مئات السنين، أفكر فى يوم القيامة حيث سنحشر جميعًا. والقائد الناجح يضع أمامه دائمًا غايته وماذا يريد أن يحقق وزمان تحقيق غايته، فمن السهل دائمًا الوقوع فى فخ الحياة وزحامها حتى يكتشف أن كل تعبه لم يحقق ما أراده لأنه استند إلى الجدار الخطأ، وأن انشغاله بالغاية لم تصاحبه فعالية تمكنه من تحقيقها. أما إذا أدركنا ما هى الأشياء التى ينبغى أن نبدأ بها لأهميتها العاجلة، وأنه إذا وضع السلم على الجدار الخطأ فإن كل خطوة نخطوها تقربنا بسرعة إلى المكان الأكثر خطأ وخطورة، وقد يكون القائد شديد الانشغال والإخلاص والسهر ولكن فى الاتجاه الخطأ. أما إذا كانت الفكرة فى الأذهان مع تكاتف الفريق المخلص والمجتهد فقد يكتشف القائد الطريق الصحيح والوسيلة الصائبة لتحقيق الأهداف المرجوة، واضعين فى الحسبان أن كل الأشياء تبتكر مرتين، أى أنها تبدأ بالابتكار الذهنى أولًا ثم الابتكار المادى ثانيًا.
والمثال الواضح لمن يريد أن يبنى بيتًا عليه أن يضع الرسومات بكل التفاصيل قبل أن يحفر الأرض، فعلى المالك أن يضع فى فكره ما يريده عن نوعية المنزل، هل هو للسكنى الخاصة به أم للتجارة وتحقيق الأرباح، فالمسكن الشخصى يضع صاحبه اعتبارات الأطفال وحديقة حوله وربما حمام سباحة، وهنا تبدأ الفكرة والغاية والهدف ثم يبدأ العمل، والنجار يضع أمامه ضرورة استخدام المقياس، وقبل القطع يعد المقياس حتى لا يبدد الأخشاب دون تحقيق الهدف.
وهنا ظهر التعبير «قِس مرتين ولا تتعجل فى القطع فالقطع مرة واحدة»، ومن الأهمية بمكان وضع الغاية والهدف نصب العين كل يوم من أيام العمل، حتى يتم العمل بنجاح وفقًا للتصميم والخطة، واضعين فى الاعتبار أن القيادة تختلف عن الإدارة، فالإدارة هى الابتكار الثانى ولكن تسبقها القيادة، فالإدارة تركز على القاعدة الأساسية كيف يمكن تحقيق الخطة على الوجه الأكمل، أما القيادة فتركز على القاعدة الأساسية وهى كيف يمكن الإنجاز على الوجه الأمثل حتى يمكن التأكد من أننا نسير على السلم الصحيح المستند إلى الجدار الصحيح.
وبالعودة إلى ما بدأت به، فالقيادة تحتاج إلى وحدة الصف وتعاون الفريق حتى لا نكرر ذلك الحدث التاريخى لجماعة كان كل همها أن تبنى برجًا قاعدته فى الأرض وقمته فى السماء، حتى يكون برج بابل شاهدًا على عظمة من قاموا بتشييده، ولكنهم لم يدرسوا الخطة جيدًا ولم يضعوا فى الحسبان حجم الإنسان أيما كان، ونسى صاحب الفكرة وحدة شعبه وهى مقدمة على البناء، فالأهرامات بتاريخها المتفرد ليست أهم من الإنسان السيد الذى صممها والذين بنوها، وكانت الطامة الكبرى أن فريق البناء لا يتكلم أعضاؤه لغة واحدة، ولا يفهم الواحد فيهم لغة الآخر ولغة الجماعة، فبلبلت الألسنة بقدرة إلهية سجلها التاريخ، وبالتالى لم يفهم الفريق لغة بعضه البعض حتى توقف البناء وسمى «بابل»، من كلمة بلبلة الألسنة، أى عدم القدرة على فهم أعضاء الفريق الواحد لغة بعضه البعض. إنه الدرس المتكرر الذى نناشد الجميع لفهم بعضنا بعضًا، ونتعلم لغة الحوار بدلًا من لغة القنابل أو الحناجر، مدركين جميعًا أن الحروب التى سميت «العالمية» لم تسعد طفلًا ولم تسند شيخًا، بل سجل التاريخ مآسى دفن الملايين من البشر، فضلًا عن وصمة عار فى جبين البشرية لن تمحوها كل المواد بكل اللغات. وأن العالم الحديث بانتشار التعليم وقيادات نفخر بها فى الحروب كما فى السلام، يعمل من أجل طفل ينتظر كوبًا من اللبن، أو مسنًا ومريضًا أو مريضة فى انتظار جرعة دواء للعلاج، وإذ نكتشف الحقيقة أنه لا حاجة للسان دون اتزان، ولا تعب وعناء بلا محصلة حقيقية، حتى صار الحرث فى الماء والطحن فى الهواء آفتنا، بينما تبنى الأوطان بوحدة الإنسان، كل إنسان، وإن اختلفت العقائد وتعددت الأديان. حمى الله مصرنا الغالية وحمى قادتها المخلصين الأوفياء، ومعًا نبنى لا نهدم، نجدد لا نهدد، نضيف لا نبدد، نسعى لخير البلاد والعباد، باذلين الجهد والعرق كلٌ فى موقعه، بلغة واحدة وضمائر نقية متعافية لتعود مصرنا عزيزة أبية تعطى بسخاء علمًا وفنًا وذوقًا وندرة، لجيران فى حاجة إلى مصر الأم حاضنة الأجيال ومعلمة النساء والرجال، ومن لا يدرى فتلك مصيبة، وأما من يدرى لكنّه لم يعِ فالمصيبة أعظم.