رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
السبت 23 يناير 2021 الموافق 10 جمادى الثانية 1442
رئيس مجلسى الإدارة والتحرير
د. محمد الباز
رئيس التحرير التنفيذي
محمد العسيري
د. منى حلمى
د. منى حلمى

غاندى الذى هزم الإمبراطورية التى لم تكن تغيب عنها الشمس

الأحد 06/أكتوبر/2019 - 08:15 م
طباعة


العالم كله، وأوله منْ هاجموه وحاربوه وسجنوه وعذبوه، يحتفل هذا العام بمرور ١٥٠ سنة على ميلاده المجيد. كان يوم ٢ أكتوبر ١٨٦٩ يوم ميلاده، نذير شؤم لكل آكلى لحوم البشر أحياء، ومغتصبى الأرض والكرامة. وكان بشارة خير ونور للمقهورين، الفقراء، والمعدمين. حملت به أمه آلاف السنوات، وليس تسعة أشهر. لكنه اختار اليوم الثانى من الشهر العاشر سنة ١٨٦٩، لينهى تأملاته وأحلامه وأمنياته فى الرحم، ويبدأ تحقيقها فى الهند «الرحم الأكبر»، وطنه ورسالة حياته ومسقط الرأس وحضن الرفات المحترق.
تُرى، هل شعرت أم «غاندى» بأنها بهذا الحمل الفريد قد جعلت التاريخ البشرى «مدينًا» لها، و«ممتنًا» لعطائها النادر؟ هل كانت أم «غاندى» تحس بقلب الأم الذى لا يخطئ بأنها تسير وفى أحشائها «نبوءة» و«ثورة»؟ ربما لهذا السبب جاءت ولادتها دون ألم، دون استشارة أطباء النساء والتوليد، ودون قطع الحبل السُرى، الذى يربطها إلى الأبد بالشعب الهندى وحضارته العريقة وإمكانياته اللانهائية.
أتأمل كيف نعيش ونموت بأوامر من ماكينات سفك الدماء، قلة همجية متنمرة متوحشة مختلة العقل، تملك الفلوس والثروات والأسلحة والإعلام والثقافة والتعليم والأديان. تعيش على إثارة الفتن، وسرقة الضعفاء، وصناعة الأكاذيب، واغتصاب حرية وكرامة وأمان الشعوب، فأدرك أننا نحتاج إلى مئات من «غاندى». كان الأب الروحى، والمعلم، والملهم، والمناضل، رسول اللاعنف، نبى الحرب دون قطرة دماء.
كم هى مفارقة مؤلمة، لكنها متكررة عبر التاريخ، «غاندى»، الذى عاش يدعو إلى اللاعنف والتسامح الدينى، قتلته رصاصة هندوسية متعصبة، فى ٣٠ يناير ١٩٤٨. ودعونا نتعرف على بعض لقطات من حياة «غاندى» التى تخلده عبر الأزمنة، طبقًا لنظام الطوائف فى الهند لا يتم التزاوج بين طائفتين مختلفتين، ولا يحق لإنسان تغيير طائفته حتى الموت. ثار «غاندى» على الموروث الدينى الهندوسى، وقام بتزويج رجل وامرأة ينتميان إلى طائفتين مختلفتين، بل أكثر الطوائف بعدًا: طائفة «البراهما» قمة المجتمع، وطائفة «التشودرا» قاع المجتمع المنبوذين.
تساءل «غاندى»: «كيف نعترض على معاملة بريطانيا لنا على أننا منبوذون، ونحن نعامل أهلنا المعاملة نفسها؟». آمن «غاندى» بأن اللاعنف سياسة القوى المتحضر المؤمن بقضيته. أما العنف، فهو يعبر عن التوحش والعجز والسلبية. وكان مقتنعًا بأن الشعب الهندى سيُخرج الإنجليز بكامل اختيارهم. فى ١٢ مارس ١٩٣٠، خرج «غاندى» من مدينته أحمد أباد، سائرًا على القدمين، إلى قرية داندى وقد قطع عهدًا بألا يعود إلا بعد تحرير الهند. وعلى طول الطريق تحول الجمع الصغير إلى الآلاف من الهنود فى المدن وفى القرى، احتجاجًا على احتلال بريطانيا.
عند الشاطئ توقف «غاندى» وتوقف معه الزحف الهندى الضخم. رفع بعض الملح إلى أعلى، ثم تركه يتساقط مصاحبًا بالهتافات الرعدية. هذه الحركة البسيطة احتجاج غاضب، هادر، ضد احتكار الإدارة الإنجليزية للملح، وفرضها ضرائب باهظة على تداوله. أدرك «غاندى» أنه أفضل توحيد لخمسمائة وخمسين مليونًا من الهنود. فأفقر الفقراء الذى لا يتناول إلا قطعة من الخبز، يحتاج إلى بعض من الملح. هذه هى مسيرة الملح التاريخية. وقد نجح «غاندى» بسياسة اللاعنف فى إحياء الصناعات القديمة، والحرف التقليدية الهندية، والعودة إلى النول اليدوى للغزل. فقد أدرك أن الاستقلال السياسى للهند، والتحرر من الاحتلال السياسى، مستحيل دون الاستقلال الاقتصادى.
يوم ٣٠ يناير ١٩٤٨، اُغتيل «غاندى» المناضل، أو الفيلسوف، الذى ضل طريقه إلى السياسة. فى ذلك اليوم كان يصلى فى مدينة نيودلهى داخل حديقة «بيت بيرلا» مع آلاف المصلين، وبعد استقلال الهند بأقل من سنة، فى ١٥ أغسطس ١٩٤٧، قتله رجل هندوسى متعصب. أعطى «غاندى» النموذج لصدق الزعامة. فكانت حياته بسيطة متقشفة مثل أفقر الفقراء.. من مقولات «غاندى»: «أيها الهنود لا تعاملونى كإله.. لا تحل محل الناس.. دعهم يكتشفون قدراتهم بأنفسهم.. جئنا بفضل النساء، فلا تسيئوا معاملتهن»، «الفقر موجود لأننا نأخذ أكثر من احتياجنا.. لولا المرح والسخرية لانهزمت فى أول معركة.. لا تيأس، فالبحر لا يتسخ من قطرة.. يوجد ثلاثة فى العالم يعانون القهر والبؤس، الفقراء والنساء والمنبوذون».
تم اختيار ٢ أكتوبر، مولد «غاندى»، ليكون اليوم العالمى لنبذ العنف تكريمًا له، وتدعيمًا لسياسة اللاعنف والعصيان المدنى والمقاومة السلبية. فى ١٤ مارس ٢٠١٥، فى لندن، فى ميدان البرلمان، أزيح الستار عن تمثال «غاندى»، وهذا التاريخ يوافق مائة عام، حينما عاد «غاندى» إلى الهند من جنوب إفريقيا، حيث كان يعمل بالمحاماة لكى يتفرغ للنضال لتحرير بلاده، وكان يبلغ من العمر ٤٦ عامًا.
يا للمفارقة، تمثال «غاندى» يرتفع شامخًا، وقورًا، منتصرًا، وفخورًا، فى قلب لندن، فى عقر دار الإمبراطورية العتيدة، المسماة الإمبراطورية التى لم تكن تغيب عنها الشمس، والتى طاردت «غاندى» واعتقلته سنوات أكثر من مرة. يا للسخرية، إن لندن تغيب عنها الشمس طوال الوقت. يا للمفارقة، ذهب الجميع، أصحاب الامتيازات، والمراكز المرموقة، وترسانة الأسلحة، والتحالفات الاستعمارية الدولية، الذين كانوا يركبون الخيل ويضربون الشعب الهندى بالرصاص والعصا والكرابيج، ولم يبق إلا «غاندى» والشعب الهندى.
من بستان قصائدى
لست ميسورة الحال.. أنفق المال بلا حساب
لست ثرية بالمعنى المألوف.. لكننى أمتلك رصيدًا كبيرًا
فى بنك «الكرامة».. و«تحويشة العمر» كلمات وحروف.